أعمال التحديد والتحرير للأراضي الزراعية المفتقدة للموضوعية والدقة المهنية التي مهرت منذ أكثر من أربعين عاماً بتواقيع الفرق المساحية ومن خلفهم «جوقة» من المعرفين بالملكية الحقيقية لهذه الأراضي أنتجت واقعاً عقارياً وامتعاضاً فلاحياً، كيف لا وهذه الأعمال المعدة والمنفذة في «أرشيف» المصالح العقارية كان ومازال عنوانها الأبرز تشابكات عقارية وإشكالات إفرازية نتيجة وقوع مئات الدونمات العقارية والعائدة ملكيتها لمئات المزارعين في «فخ» الملكية الأحادية وذلك من جراء قيام هؤلاء المساحين في حينها وبغفلة من أصحاب هذه الأراضي بتسجيل عشرات الدونمات العائدة ملكيتها العقارية لعدة أشخاص باسم شخص واحد، وهنا كانت النقطة البدائية للسجالات الفلاحية ما بين محق ومحقوق، أي ما بين ذلك المزارع المطالب بأحقيته بملكية هذه الأرض ومديرية المصالح العقارية التي سحبت بساط الملكية من تحتهم.
تائهون من دون جدوى
تدوينهم عشرات الكتب الاعتراضية هذا ناهيك بالمراجعات المكتبية والمطالب الشفهية والمرمى بها لدى مديرية المصالح العقارية التي تعد بمنزلة الحاضن الشرعي والقانوني للملكية العقارية بغية تصحيح هذه الأخطاء من خلال إعادة مسح هذه الأراضي من جديد لم ينتج عنها سوى الردود السلبية وليبقى مئات المواطنين ضمن قرى وبلدات ومدن المحافظة يرزحون تحت وطأة هذه الأخطاء وليبقوا تائهين بين أروقة المصالح العقارية ومكاتب معقبي المعاملات لإثبات أحقيتهم الشرعية بملكية هذه الأراضي ولاسيما أن من سجلت الأراضي بأسمائهم في ذلك الحين قد سلموا الروح إلى باريها وبات من الصعب إثبات هذه الملكية لكون ذلك يتطلب حضور جميع الورثة، أي الأبناء والأحفاد، وهذا يحتاج معاملة «ماراثونية» مثقلة بالأعباء المالية, لذلك باتت إعادة تحرير وتحديد هذه الأراضي الحل الأمثل وذا البوابة الإنصافية لمئات المواطنين إن لم نقل للآلاف لكون الخطأ الفني المرتكب يتحمل مسؤوليته المساح والمعرّف وليس صاحب الأرض، فهل ستستجيب مديرية المصالح العقارية للغة الرجاء والتمني المنطلقة من معظم قرى وبلدات المحافظة.
أهالي قرية بكا أول المكتوين
نريد حلاً عادلاً ومنصفاً لمشكلتنا العقارية المدفونة منذ أكثر من خمسين عاماً لدى أروقة مديرية المصالح العقارية، هذا ما قاله لنا أهالي قرية بكا، خلال زيارتنا لهم ليضيفوا أن لب المشكلة يكمن في العمل المسحي اللامسؤول الذي قامت به الفرقة المساحية المكلفة بمسح أراضي القرية في حينها والذي أنتج «حزمة» معقدة من التداخلات العقارية فيما بين أراضي الأهالي وذلك من جراء قيام هذه الفرقة مستغلة جهل الأهالي بذلك الوقت بتسجيل عشرات العقارات باسم شخص واحد وهنا كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير، لكون هذه العقارات يملكها عدة أشخاص طبعاً هذا التسجيل اللامهني ومع مرور هذه السنوات أخرج مئات الدونمات من «عصمة» أصحابها الحقيقيين وباتت إعادة هذه «العصمة» العقارية تتطلب معاملة «ماراثونية» كانوا في غنى عنها ولاسيما أن من سجلت الأراضي بأسمائهم أصبح معظمهم في ذمة الله، وهذا يحتاج أولاً، طبعاً الكلام لأهالي القرية، معاملة حصر إرث وموافقة الورثة على التنازل لأصحاب الأرض الحقيقيين عنها علاوة عن ذلك فهذه المعاملة تحتاج سيولة مالية كبيرة, علماً أن هذه العقارات ونتيجة هذا الخطأ الفادح باتت ملكاً لهم حراثة وزراعة فقط إلا أنها محرمة عليهم تصرفاً أي تصرف المالك لأرضه ولاسيما فيما يخص البيع والشراء والحصول على قروض مصرفية، لذلك بعد هذه السنوات بات من الضروري وضع النقاط فوق الحروف والعمل على تصحيح الأخطاء المولودة من رحم دائرة المساحة.
ولمدينة صلخد من الأخطاء نصيب:
بعد قرية بكا انتقلنا إلى مدينة صلخد فالمتتبع لواقعها ولاسيما المسح الفني سيلحظ، وبحسب الأهالي أن ما خلفته أعمال التحديد والتحرير على أراضي المدينة منذ حوالي ثلاثين عاماً من أخطاء فنية «أغرق» المدينة بجملة مطبات معرقلة ومفرملة لأعمال الرفع الطبوغرافي ولاسيما داخل المخطط التنظيمي لمدينة صلخد، كيف لا يضيف الأهالي، إن جميع المخططات الطبوغرافية التي يتم رفعها ورقياً من قبل مجلس المدينة باتت لا تتطابق مع الواقع، وهذا مرده إلى الآلية المسحية الخاطئة التي قامت بها الفرق المساحية، طبعاً يضيف الأهالي أن هذه التداخلات فيما بين العقارات ولدت الكثير من السجالات الكلامية والمنتهية إلى قاعات المحاكم العدلية بين أهالي المدينة من جراء تشابك أراضيهم وعدم وضوح حدودها على هذه المخططات، علماً وبحسب رئيس مجلس مدينة صلخد باسل الشومري، أنه سبق للمجلس أن خط الكثير من الكتب البريدية إلى الجهات المعنية للإيعاز لدائرة المساحة بإعادة المسح الفني لمدينة صلخد ضمن المخطط التنظيمي وذلك نظراً لما يحمله هذا المسح بين طياته من أخطاء لا تنسجم مع الواقع ولاسيما من حيث توصيف العقارات بين زراعي ومنظم، إذ تم توصيف مساحات كبيرة على أنها عرصات معدة للبناء علماً أن أساسها زراعي بامتياز، طبعاً والكلام لنا هذه المرة، هذه الخطوة «العرجاء» رتبت على أهالي المدينة أعباء مالية كبيرة ولاسيما أثناء عملية الفرز ونقل الملكية.
وعلى الرغم من الرمي بعشرات الكتب المطلبية على طاولات الجهات المعنية بغية تعديل المخطط التنظيمي أو إعادة المسح لتدارك هذه الأخطاء إلا أن لغة الأخذ والرد بين الأهالي المطالبين بحقهم الضائع والممهور بتواقيع فرقة المساحة ومديرية المصالح العقارية المتمترسة وراء قوانينها الصادرة بخمسينيات القرن الماضي مازالت هي السائدة.
إعادة أعمال المسح ضرورة ملحة:
لم يكن أهالي قرية بكا ومدينة صلخد «الوحيدين» الغارقين في مستنقع عدم الإنصاف، فهاهم أيضاً أهالي قرية الحريسة ينضمون عنوة إلى سجل الأخطاء الفنية المرتكبة من قبل الفرق المساحية، إذ يقول أهالي القرية إن الأعمال التحديدية والتحريرية لأراضيهم الزراعية التي انطلقت منذ سبعينيات القرن الماضي على أرض قريتهم كانت غير دقيقة وغير منصفة ولاسيما بعد أن قام هؤلاء المساحون في حينها بتسجيل كل 25 دونماً والعائدة ملكيتها لعدد من الأشخاص باسم شخص واحد وهذا ما خلق حالة من عدم الارتياح والرضى لدى الأهالي الذين مازالوا يطالبون بأحقيتهم بهذه العقارات التي تتحمل نتائجها فرقة المساحة، ويضيف الأهالي أنه بعد أن شهدت العقارات فورة شرائية وغلائية لامثيل لها على مساحة المحافظة قام عدد من المزارعين ولاسيما من سجلت هذه العقارات بأسمائهم والعائد نصف ملكيتها لبقية المزارعين بعدم الاعتراف لهم بأحقيتهم بهذه الأراضي، ما أدى إلى حدوث خلافات ما بين هؤلاء المزارعين، علماً أن أهالي القرية سبق لهم أن قاموا بإيداع عشرات الكتب المطلبية ضمن خزائن حاضنة الزراعة والمزارعين ألا وهي وزارة الزراعة، لكون مديرية المصالح العقارية كانت تتبع لها للعمل على إعادة أعمال التحديد والتحرير على مساحة القرية وفتح سندات التمليك القديمة وتسجيل الأراضي بأسماء أصحابها الحقيقيين إلا أنه لا حياة لمن تنادي.. فالمشكلة مازالت قائمة والمطالب مازالت مستمرة.
أخطاء متعمدة
معمعة الأخطاء الفنية المعدة ورقياً والمنفذة عملياً داخل غرف الفرق المساحية يبدو وبحسب أهالي بلدة قنوات المكتوين بنار هذه الأخطاء، أن معظمها متعمد وليبقى هؤلاء المساحون حاضرين فيما بعد أعمال التحديد والتحرير ولكن هذه المرة بأجرتهم، ليضيف أهالي البلدة أن أعمال الرفع الطبوغرافي ونتيجة هذه الأعمال باتت لا تنسجم مع ما هو على أرض الواقع من جراء تشابك حدود العقارات فيما بينها وعدم تسجيل العقار بشكل صحيح ما حرم عدداً من المواطنين من الحصول على تراخيص بنائية من جراء تلك الأخطاء، طبعاً الأخطاء الفنية لم تقتصر على الأراضي الواقعة داخل المخطط التنظيمي فها هي تمتد لتطول الأراضي الزراعية وذلك من خلال قيامهم بتسجيل كل 15 دونماً باسم شخص واحد، ويقول الأهالي: هذه الأخطاء تم اكتشافها لاحقاً من قبل المواطنين ولاسيما بعد أن بدأ أصحابها الحقيقيون بمعاملة استصلاحها، وتالياً استثمارها ليتبين أن هذه العقارات ملك ورقي فقط بينما شطبت من ملكيتهم على سجلات المصالح العقارية ما ذكر آنفاً لم ينفه رئيس مجلس بلدة قنوات وجيه زريفة المؤكد على ضرورة تدارك هذه الأخطاء ضمن غرف الفرق المساحية ولاسيما أن هذه العقارات وبعد موت من سجلت باسمه فملكيتها باتت لأكثر من 10 أشخاص، وهذا بكل صراحة يعد عبئاً ملقى على كاهل صاحب الأرض الحقيقي لكونه ليس من المعقول من يريد إعادة حقه من هذه الأرض أن يطلب موافقة وتنازل جميع هؤلاء وإحضارهم إلى مديرية المصالح العقارية ولاسيما أن معظمهم خارج دائرة الوجود الدائم.
المواطن هو الضحية
يبدو أن الأخطاء الفنية والمبرمج مسلسلها لدى دائرة المساحة والتي أي هذه الأخطاء باتت ملازمة لمعظم الأراضي الزراعية على مساحة المحافظة ولدت في صدر مزارعي مدينة شهبا غصة فلاحية ولمسة عتب زراعية على هذه الفرق من جراء افتقاد أعمالها الدقة والمهنية كيف لا وهذه الأعمال، حسبما ذكر لنا أهالي المدينة كان لها الباع الأكبر في إغراق أصحاب الأراضي ولاسيما منطقة ما تسمى «أبو يحيا» في بحر من المعاملات الروتينية المعقدة والمراجعات المكتبية للمصالح العقارية بغية تصحيح هذه الأخطاء، الأمر الذي حمل المزارعين إرهاقات جسدية وأعباء مادية من جراء تدوينهم ضمن أقسامها، هذا ناهيك بإدخال الفلاحين الباحثين عن الإنصاف المفقود في جولة سجالية كانوا في غنى عنها من جراء الإشكالات العقارية التي أحدثتها الفرق المساحية أثناء أعمال التحديد من خلال قيامها، وبغفلة من مزارعي هذه المنطقة بتسجيلها عدداً من العقارات الكائنة في تلك المنطقة على سجلات مخططاتها المساحية بأسماء مغايرة لأصحابها الحقيقيين هذا عدا عن تقسيمها العقار الواحد إلى عقارين كالعقار رقم 1980 طبعاً ويضيف أهالي المدينة المتضررون أن هذا العمل المساحي المفتقد للدقة أدى في نهاية المطاف إلى حدوث انزياح كبير في أرقام هذه العقارات.. فمثلاً مساحة العقار رقم 1975 على المخطط المساحي هي 1750 متراً بينما في الواقع مساحته، وبحسب صاحب العقار نفسه 750 متراً، والمسألة المهمة التي لم يخفها أصحاب هذه العقارات أنه في حال تم تسجيل هذه العقارات باسم أصحابها الحقيقيين من خلال تصحيح أرقام العقارات فهذا بكل تأكيد يتطلب عناء عقارياً كبيراً ومعاملة إفرازية قد يطول أمدها هذا علاوة عن الأعباء المالية التي ستترتب على هؤلاء، ولاسيما إذا علمنا أن معاملة الإفراز وحدها قد تستغرق عاملاً كاملاً لإنجازها، فما بالك إفراز منطقة عقارية كاملة كم سيستغرق ذلك طبعاً سنوات وهذا تعقيد وظيفي آخر يضاف على عاتق المتضررين.
الحل رضائي
بدوره المهندس رفيق الجباعي رئيس دائرة المساحة في مديرية المصالح العقارية في السويداء قال: إن هذه الأخطاء حدثت منذ أكثر من أربعين عاماً ومن يتحمل مسؤوليتها صراحة «المعرف» لكونه من الأهالي، والعاملون يجهلون ملكية هذه العقارات لذلك الحل يكمن بشكل رضائي ما بين الأهالي أو بالاتفاق فيما بينهم لكون إعادة المسح لا تجوز قانوناً لكونه يحتاج مرسوماً جمهورياً.
أخيراً
وهنا وبعد هذه الجولة الاستقصائية لابد لنا من أن نقول أن الإشكال مولود من رحم غرف دائرة المساحة وترعرع ونما لديها، لذا من المفترض أن تعيد تربيته من جديد، وتالياً تجنيب المزارعين الوقوع في مصيدة الإفراز وتصحيح الأوصاف، ولاسيما كما ذكرنا سابقاً أن هذه العقارات بات يملكها أكثر من واحد وخاصة بعد موت من سُجلت باسمه، علماً أن إبقاء المزارعين ضمن هذه الدوامة سيرهقهم مادياً وجسدياً وسيدخلهم في مطب التشابكات العقارية التي أنتجتها هذه الفرق لذلك فقد بات حرياً بها إعادة أعمال التحديد والتحرير ولاسيما إذا علمنا أن معظم هذه الأعمال قد مضى عليها أكثر من 50 عاماً فأصبحت إعادة مسحها قانونية، فهل ستخلع مديرية المصالح العقارية ثوبها الروتيني والتقليدي وترتدي ثوب الحاضن لهذه الشريحة المطالبة بإنصافها منذ أعوام أم أن هؤلاء سيبقون تائهين ضمن أروقة المصالح العقارية لتخليص معاملاتهم الإفرازية المرهقة لجيوبهم؟ إذاً الخروج من تعقيدات القرارات القديمة بات من المطالب الملحة والضرورية للمتضررين.

print