أيمن فلحوط
ت: وائل خليفة
«نتطلع في المستقبل القريب لرسم خريطة سورية السياحية الجديدة بطريقة مغايرة للواقع الحالي، المقترن بمناطق تدمر وبصرى والغوطة وهي المعروفة منذ الأزل، ولا نريد إلغاء الماضي بل سنضيف له الجديد كمغارة الدودارية في عفرين ومحمية الأرز في جوبة البرغال وقصر الملكة في اللاذقية ومغارة سؤادا البركانية في السويداء، والكثير من الأماكن التي استكشفت ووثقت، وننتظر الفرصة المناسبة لنسقطها على الخريطة السياحية لتصبح أغنى وأجمل».
بهذه الروح العالية من التفاؤل يلخص المنسقان الإعلاميان وعضوا أكثر من لجنة في الجمعية السورية للاستكشاف والتوثيق ماهر الجلحوم الطالب في كلية الهندسة المعمارية ومهام الويس خريجة الحقوق تطلعهما وعملهما مع فريق العمل التطوعي الذي ناهز 63 منتسباً، ومثلهم من الكادر التنظيمي، ويزيد عدد المشاركين في النشاط الواحد على 120 ويقام في الشهر نشاطان بين مسير أو مبيت، وأحياناً جولات أثرية، وقد ازداد حماسة بعد اللقاء الثاني مع السيدة أسماء الأسد مؤخراً في الشهر المنصرم، وكذلك في المرة الأولى بعد نجاحهم في تنظيم احتفالية بوابة الشمس في تدمر في العام المنصرم.
الكنز المفقود
يؤكد ماهر ومهام أن عمل الجمعية لم يتوقف خلال الحرب الكونية على سورية، ويقولان: ابتدعنا ما سميناه برنامج الكنز المفقود إلى جانب نشاطاتنا الأساسية في البراري، وحاولنا التركيز على الجوانب الثقافية والتراثية الموجودة في بلدنا، كالقلاع والحصون التي من الصعب للمرء الوصول إليها منفرداً، فكنا أول مجموعة من 400 شخص تزور قلعة المرقب وتنام فيها، وكذلك قلعة صلاح الدين التي أقمنا فيها أول عرس لعروسين بعد إضاءتها بالشموع والمشاعل، ودير مار موسى الذي كان يرتاده يومياً مابين 1000-1500 إنسان قبل الحرب على سورية وحين وصلنا إليه قالوا لنا «تروحنا فيكم وصرلنا زمان ما شفنا 200 شخص»، ويمكننا تخيل ما يعني ذلك من حياة وسعادة للناس.
وكانت هناك حالة توثيقية لحراج منطقة الكفر في السويداء، ومسح ميداني للبيئة النباتية والحيوانية داخل محمية الضمنة الحراجية.
يضيفان: أنجزنا مخططات توضح الضرر في الأماكن الطبيعية التي زرناها كمحميات طبيعية، ووثقنا ذلك بالصور والأفلام والعينات، وأرسلنا النتائج للوزارات المعنية كالسياحة والشؤون الاجتماعية والعمل والتربية والجهات الرسمية لمتابعة مختلف جوانبها، بمساعدة فريق متخصص من المنتسبين للجمعية عبر اللجان المتعددة لها في الاستكشاف والدعم اللوجستي والعلاقات الخارجية والإعلام والتخطيط الاستراتيجي والتوثيق، يملكون الخبرة الكافية للتعامل مع مختلف الحالات.
الحب يختصر المسافات
تختصر المسافات بين حلب ودمشق، حين يجمع الحب بين قلبين يتطلعان لبناء عش الزوجية كما حدث مع محمد أبو دان رئيس فرع حلب للجمعية، وزوجته منال النوري من دمشق بعد تعارفهما خلال نشاط الجمعية في مرمريتا في حمص، حيث كانت البداية للتفكير الجدي بإقامة عرس غير تقليدي، وبقلب الطبيعة السورية في قلعة صلاح الدين، وبحفل ذي طابع بسيط بالتعاون مع أصدقاء الجمعية كما يقول العروسان، ويؤكدان أنها بادرة لإعادة الحياة للمنطقة وتشجيع الشباب على ذلك، فحضرنا الشموع بطريقة خاصة إضافة للمشاعل الليلية لنزين بها القلعة، وكانت مضاءة بالكامل، وتم إجراء طقوس العرس كاملة وسط فرحة الجميع.
أنشطة متعددة للجمعية
يشير أمين سر الجمعية وقائد النشاطات خالد نويلاتي، الذي ورث حب العمل في الاستكشاف والتوثيق عن والده وليد نويلاتي الأب الروحي لها كما يطلقون عليه، وأحد الأعضاء المؤسسين للجمعية، إلى أنهم قاموا بزيارة جميع المحافظات، والحلم الأكبر لديهم الوصول لأصغر منطقة في سورية، ومن أبرز أنشطتهم إقامة معسكر في الرقة مع نهاية عام 2011 وزيارة محمية أبو قبيس والعديد من المناطق في ريف دمشق كمعلولا ودير مار موسى، وكنا أول جمعية تزور معلولا بعد زيارة السيد الرئيس بشار الأسد لها من خلال 150 متطوعاً، ونحرص على التوجه للمناطق المحررة تشجيعاً لعودة الناس إليها، ولاسيما التي تتعلق بعملنا كالمحميات الطبيعية والمواقع الأثرية، فتوجهنا مثلاً لإقامة المعسكر التدريبي التنموي 26 العام الماضي في منطقة مشقيتا في اللاذقية تحت عنوان «قسماً سنحييها وإن دثرت» فتم العمل على إقامة قرية سياحية هي الأولى من نوعها مع نشاطات توعية حول التمسك بالأرض ومسؤولية الفرد تجاه المجتمع وجولات للتوثيق والاستكشاف ليلية ونهارية حول أرض المعسكر، والقيام بالتدريبات العملية لإقامة المعسكرات والمسابقات الترفيهية والرياضية، والتدريب على الإنزال الجبلي وحالات الطوارئ في البراري وطرق التعايش مع الطبيعة، كما زرنا قلعة صلاح الدين، ولاحظنا آثار الحرائق على الغابات وتدمير البيوت من قبل العصابات الإرهابية الإجرامية، وحرصنا على التواصل مع أهالي الشهداء وأبناء تلك المناطق بغية عودتهم إليها.
يضيف أمين السر: لدينا مشروع على مدى عشر سنوات من عام 2016 وحتى 2026 يتضمن بناء مسارات بيئية في قلب المحميات، فلا يحتاج الراغب في استكشاف تلك المناطق سوى حصوله على كتيبات معينة، أو من خلال الموبايل تساعده لتحقيق رغباته، يضاف لذلك التوثيق الاجتماعي الذي أحوج ما نكون إليه، نظراً لاختلاف العادات والتقاليد والثقافات، وهناك الكثير من التفاصيل التي سنوثقها لتكون عناصر مساعدة في المستقبل، لتجاوز المشكلات التي تعانيها تلك المناطق كالتحطيب الجائر وعمليات الرعي والتعديات على الثروة الحراجية وتوثيقها على سبيل المثال.
رسالة الجمعية المجتمعية
بدوره الكابتن الطيار المدني مضر فرح رئيس الجمعية يرى أن رسالتهم المجتمعية تكمن في الشعار الذي أطلقته الجمعية «أنا السوري»، والمراد منه تحفيز الشباب بطريقة إيجابية للتأكيد على الهوية السورية، والسعي وراء البحث والمعرفة وإغناء النفس والعقل بكل ما يخص وطننا وأرضنا في كل النواحي التاريخية والحضارية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والجغرافية والطبيعية، إضافة إلى الإطلاع على كل ما من شأنه أن يزيد تعلقنا بهذه الأرض لحمايتها، والمحافظة عليها ما سيقوي انتماءنا ومحبتنا لوطننا وأرضنا العربية.
وتنصب رؤية وتصورات الكابتن فرح المستقبلية في الاستمرار بإتاحة الفرصة للشباب لاختبار الطبيعة عن قرب، والتأقلم معها بمختلف مكوناتها النباتية والحيوانية والتاريخية لاستخلاص المنفعة العلمية والحقيقة التاريخية، عبر إقامة النشاطات الاستكشافية الميدانية بقالب علمي ترفيهي يسعى إلى المعرفة ومن ثم الإبداع، وتدريب الكوادر الشبابية المتطوعة، وتزويدها بالمعدات الضرورية لإنشاء بعثات استكشاف وتوثيق وطنية متخصصة تكون بديلة في المستقبل عن البعثات الأجنبية المكلفة.
والتلاحم الفكري والثقافي قدر الإمكان مابين المجتمع القائم في المدينة والمجتمعات الريفية والبدوية، من خلال التعرف على عادات وتقاليد وأعراف ومعتقدات هذه المجتمعات، وطرق حياتهم اليومية وتبادل المعرفة والخبرة والمهارة في الحياة، لتلافي الثغرات والنواقص والوصول إلى التكافل المهني لتنشيط الحياة الاقتصادية.
وإقامة الندوات التدريبية المتخصصة في أساليب الاعتناء بالصحة والبيئة والإسعاف الأولي عبر إنشاء لجان ووحدات طوارئ للإغاثة والإسعاف وتزويدها بالمعدات والمعلومات الضرورية ليتم تفعيلها والاستفادة منها لخدمة المجتمع والوطن في حالات الطوارئ المعلنة، والنهوض بالفكر الشبابي إلى مرحلة الثقة والاعتزاز والفخر بالوطن الذي هو جزء أساس ومهم من الحضارة الإنسانية التي نعيشها الآن بتسليط الضوء على المناطق الطبيعية والتاريخية المهمة في سورية، والتي لم يتم استكشافها وزيارتها وجعلها في الأولوية.

print