إلهام العطار
عندما رن جرس الهاتف، أحسَّت بحمل ثقيل يطبق على صدرها، وما إن نظرت إلى زوجة ابنها التي غرقت عيناها ووجنتاها ببحر من الدموع، حتى أدركت أن تلك الدموع ما هي إلا بشرى زف ابنها البطل المقاتل في صفوف الجيش العربي السوري شهيداً.
لم تقو في بداية الأمر على تحمل ما حل بقلبها من حزن وسواد أغشى عينيها، ولم القيام من أرضها، لكن شوقها لمن انتظرته أشهراً ثلاثة، ورحل إلى العلياء من دون أن يودعها، جعلها تنتفض من مكانها وتتجه نحو صورته المعلقة هناك تضمها.. تقبل وجهه الباسم ويديه حيناً، ثم تنعيه وترثيه معددة مناقبه وصفاته وشجاعته في أحيان كثيرة، وبعد «صفنة» استعادت من خلالها ثلاثين من السنين -هي عمر حبيب الروح- بتفاصيلها ومحطاتها المتعددة، التي باتت منذ هذا اليوم شريطاً طويلاً من الذكريات اليومية، زأرت بصوت مبحوح يشبه صوت لبوة جريحة، امتزج في اللحظة ذاتها بطريقة يعجز أشهر الموسيقيين عن تفسيرها أو حتى رسم علاماتها ونوتاتها، بتقطيعات زغرودة وصل إيقاعها حدود السماء، لتعلن عبرها بأن فلذة كبدها.. بؤبؤ العين ونبض القلب، ارتقى اليوم شهيداً وهو يدافع عن أرضه وعرضه وحدود وطنه.
حال أم الشهيد تلك التي تبكي القلب قبل العين وتدميه، ليست استثنائية، فهي تتشارك فيها مع العشرات بل المئات من الأمهات السوريات اللواتي قدمن أبناءهن، في سنوات الحرب القاسية، الشهيد تلو الشهيد قرابين عشق على مذبح حرية سورية واستقلاليتها وسيادتها، مودعات إياهم بدمعة ووردة وزغرودة عز وكرامة، فعلّمن العالم بذلك درساً لن ينسى في حب الوطن والذود عن حياضه وعن كل ذرة تراب من ترابه الطاهر، فالأمهات هن صانعات الأبطال من الذكور والإناث، والشهداء هم مشاعل النور التي تنير درب الحرية للأجيال القادمة، وهم عبق الأرض وريحها وريحانها.
eattar5.5@gmail.com

print