يوسف الحيدر
ت: عبد الرحمن صقر
لأنّ الجهل وقلّة الوعي كانا من أسباب الحرب والأزمة التي نمرّ فيها في سورية، ولوجود نقص عام في القراءة أو تركيز كبير على قراءة كتب تحمل اتجاهات معينة فقط وتنغلق على بقية أشكال القراءة وترفضها، كان لابد للمجتمع من أن يفرز أو يخلق من رحم ما يعانيه فئة أو مجموعات تقوم بشيء ما بهذا الخصوص تجاه أهلها وأصدقائها ومحبي القراءة الذين لا تتوافر لديهم إمكانية مادية أو جهة تيسّر لهم ذلك وتحتضنهم، في ظل محدودية نشاطات المؤسسات الثقافية المسؤولة أو غيابها، ربّما بسبب الظروف القائمة…. (شوي كتار) مجموعة شباب يفوق عددهم العشرين شخصاً مختلفي التجارب والمسارب، ولكنهم متفقون على إحياء وتشجيع القراءة والتطوع بوقتهم وجهدهم وكتبهم ومالهم وخبراتهم في سبيل ذلك، وجدوا في أحد المراكز الثقافية في ريف دمشق ملاذاً لهم فاحتضنهم لما وجده لديهم من شغف وحماس، فبدؤوا بمبادرة (بسطة كتب) للتبرع بالكتب وتبادلها ومنح الآخرين فرصة قراءة الكتب التي لا يستطيعون شراءها أو الحصول عليها، ونتج عنها حتى الآن ثلاثة أنشطة هي حسب الترتيب: (فيلم وكتاب) أيّ رواية أو مسرحية أو كتاب تمّ تصويره كفيلم يجري عرضه والنقاش حوله، (حكواتي) للصغار والكبار تجري في جوٍّ من الألفة وقراءة الحكايا والأساطير وتبادل الآراء حولها أيضاً، (نادي القراءة) وهو قراءة كتاب يتمّ اختياره بتصويت على صفحة أنشأها أصحاب المبادرة ينشرون عليها نشاطاتهم ومن ثمّ يتم النقاش حول الكتاب بموعد آخر بعد أن يقرأه المشاركون، أما هدف المجموعة فهو تحريك المياه الراكدة، لإنتاج دوائر يصل أثرها أبعد ما يمكن.
تنمية ثقافة الحوار
نقل ثقافة القراءة إلى أوسع شريحة ممكنة بين الأصدقاء أو الأهل في المنزل أو الجامعة، وتنمية طريقة الحوار وتهذيبها من أهداف هذه المجموعة، لأنّنا -حسب رأيهم- في وقت نحتاج إلى الحوار والإصغاء إلى الآخر وحُسن الاتفاق والاختلاف معه -إن وجد خلاف- من دون أن تحصل بيننا قطيعة أو تُخلق ضغينة.
في القراءة اختلاف
علا سلامة خريجة أدب إنكليزي وإحدى المتطوعات في المجموعة ترى أنّ لكل قارئ كياناً مستقلاً يتم بناؤه ونموه من خلال زيادة معرفته وقراءاته وتحليله وفهمه، ولا يجب أن يتفق مع الآخرين في قراءاته أو أفكاره، وهذه الحالة الطبيعية والسليمة، إذ لكلّ شخص قدرته الخاصة على تحليل واستخلاص الفوائد من الكتاب وفق خلفيته الثقافية والمعرفية والحياتية، ولا يقتصر هذا الأمر على قراءة كتاب أو رواية بل يشمل كذلك قراءة فيلم أو تحليله كفيلم (عداء الطائرة الورقية) المأخوذ عن رواية عالمية مشهورة بالاسم نفسه وتمّ عرضه ومناقشته في مبادرة فيلم وكتاب، أو فهم حكاية للكبار كانت أو للصغار في مبادرة حكواتي لاستخلاص العبر منها.
ليس كل حامل شهادة قادراً على القراءة
حاضرنا أكبر شاهد على ذلك، ولأنّ العلم بالفهم كما يقول المثل، فكثير من المجازين أو حاملي الشهادات العليا لا يقبلون إلا أفكارهم ولا يستمعون إلا لأنفسهم، فما الحال إن كان هؤلاء ممن يعملون على تنشئة حياة ويبنون منزلاً أو يديرون مدرسة ومؤسسة ومديرية عامة أو… الخ، ما الحال وبعضهم ساهم في خراب ودمار بلده وللأسف مازال يساهم، مبادرو «شوي كتار» وبعض المشاركين معهم يتمنون أن يكون لهم تأثير في هذا الأمر تحديداً فلقد واجهوا ويواجهون -كما أغلب السوريين- نماذج من هذا القبيل، إلا أنّ ما ميّزهم عن الجميع أنّهم تحركوا ليغيروا أو يشيروا ما استطاعوا لهذه السلبية ضمن واقعنا.
ووفقاً لذلك أكدت الآنسة المتقاعدة بغدانة زين إحدى المشاركات في نادي القراءة أنّ من تكون قراءته سليمة يكون الأقدر على العيش، ولو أنّنا نقرأ بشكل متنور وصحيح ما وصلنا إلى هذه الحال، وأنّ العلم أو المعرفة والتنوير ليسا حكراً على عمر من دون آخر ولا يتفوق فيها عمر على آخر، فمشاركتها في نادي القراءة جاءت محبة بالكتاب الذي يناقش (قواعد العشق الأربعون) أولاً، ولاكتساب رؤى جديدة وقراءات وإضاءات مختلفة حوله وتشجيعاً لأصحاب المبادرة والمشاركين ثانياً.
المجتمع الذي يقرأ لا يمرض
في ظل الظروف المفروضة على بلدنا أخذ تأمين الغذاء والدواء والطاقة أغلب اهتمام المؤسسات الحكومية، كما يقول سامر رفاعة طالب الاقتصاد وأحد المتطوعين في المجموعة، فأخذنا على عاتقنا مسؤولية المساعدة في تأمين غذاء العقل والروح، لأنّ حالنا ومرض مجتمعنا أحد أسبابه التقصير في هذا الجانب، ولا يمكن رأب الصدع من دون قراءة سليمة لواقعنا، ماضينا، وتحديد رؤية مستقبلنا. ومن جانب آخر فرضت التكنولوجيا نظرة جديدة على القراءة من خلال استسهالها أو اجتزائها، فمثلاً الكتاب الذي تناقشنا حوله في نادي القراءة (قواعد العشق الأربعون) له عشرات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي وتتم قراءة محتواه بشكل مجتزأ ومنقوص وبأشكال بعيدة أو مختلفة عما سيجده القارئ لو قرأ الكتاب بشكل كامل وتعرف إليه، فلا يكفي أن نقرأ أو نطّلع بل يجب أن تكون القراءة صحية وسليمة.
مُنحوا الفرصة فاغتنموها
أثر هذه المجموعة من الشباب لم يكن وليد جهدهم التطوعي فقط ويدهم ما كانت لتصفق وحدها، بل هناك يدٌ مدت لهم ويجب الاعتراف بدور القائمين على احتضانهم ومنحهم فرصة القيام بواجبهم وخروج مبادرتهم إلى المجتمع، متمثلين بإدارة المركز الثقافي العربي في أشرفية صحنايا التي قدمت لهم التسهيلات وآمنت بهم، وهذه اللفتة من المركز لم تكن الأولى ولا يبدو أنّها الأخيرة، فمن خلال زيارتنا لحضور (نادي القراءة) في المركز وجدنا مبادرات ونشاطات أخرى قيد العمل لفرق مختلفة الاختصاص والتوجه، من موسيقا وغناء وتنمية ذاتية وتعليم وترفيه وغيرها، ومن هنا اعترافٌ بالجميل من مجموعة (شوي كتار) للمركز وإدارته، وتشجيع منّا لهذه الجهات كي تأخذ دورها وتفعّله بشكل أكبر ليشمل كل المراكز والمؤسسات المختلفة الأخرى لخلق تعاون بينها، والمجتمع المحلي ينتج بيئة قادرة على تشكيل أجيال تعيد بناء بلدنا.

print