د. إبراهيم علوش

كثرت مؤخراً التحليلات التي تعزو ما يشبه الانقلاب في السياسة الأمريكية لصور الأطفال القتلى في خان شيخون، وهي لقطات سبق أن عالج آخرون طريقة إخراجها بما يخاطب العقل الجمعي الغربي، ولكون مصدرها اليتيم هو منظمة «الخوذ البيض» التابعة للمخابرات البريطانية، ولكونها لم تنتُج عن تحقيق محايد، ولكون خان شيخون تخضع لسيطرة العصابات التكفيرية المسلحة، إلخ…
لكنْ لكي لا نتهم بتبني نظرية المؤامرة مسبقاً، سنبدأ بالافتراض هنيهةً أن تلك الصور التُقِطت بشكلٍ تلقائيٍ تماماً من دون أي تعمد أو إخراج مسبق، فهل صحيحٌ أن فيديو قصيراً أو بضع صور تتسلق شاشات التلفاز وشبكات التواصل الاجتماعي فجأة يمكن أن تدفع دولاً كبرى لـ«ردود فعل» تنقلب فيها على سياساتها المعلنة؟
أنصار نظرية «عصر الصورة» يصرون على أن الأمر هكذا بالضبط. فقد أشار تحليل في صحيفة «واشنطن بوست» المرموقة في 10 نيسان الفائت إلى أن ترامب ليس أول رئيس أمريكي «يتأثر نفسياً» ببضع صور فيتبع ذلك بخطوات ينقلب فيها على ما بدا لوهلة أنه توجه أمريكي مختلف إزاء سورية، فقد «تأثر» جورج بوش الأب من قبله، بزعم الكاتب، بصور اللاجئين الأكراد في شمال العراق عام 1991 مما دفعه لفرض مناطق حظر طيران في العراق! ومن ثم «تأثر» مجدداً بصور الصوماليين المتضورين جوعاً فأرسل جيشه إلى الصومال في العام 1992! كما «تأثر» الرئيس الأمريكي الأسبق بِل كلينتون بصور «التطهير العرقي» في يوغوسلافيا السابقة فتدخل عسكرياً في البوسنة عام 1995 وفي كوسوفو عام 1999! ويقر الكاتب أن الصور المعنية، في كل تلك الحالات، لم تعبر إلا عن جزء فسيفسائي من الصورة الكلية للحروب التي أنتجتها، سوى أن أهميتها تنبع من «قدرتها على إحداث صدمة نفسية، وعلى الهيمنة على المشهد الإعلامي يوماً أو يومين، ما يخلق ضغطاً سياسياً للقيام برد ما».
مادة أخرى في موقع «هافينغتون بوست» في 6 نيسان عنوانها «السياسة الأمريكية إزاء سورية تقررها دورة الأخبار» تذهب في المنحى نفسه مصرة على أن ترامب تأثر بفيديو أطفال خان شيخون فانقلب، وأن تلك ليست حالة غير عادية، موردةً تأثير صورة الطفل السوري الغريق إيلان الكردي في أيلول 2015، في فتح أبواب الدول الغربية مؤقتاً للاجئين السوريين! لتأتي صور الهجمات الإرهابية في باريس بعدها بشهرين لتخلق توجهاً معاكساً تماماً يدعو لضبط تدفق اللاجئين إلى أوروبا والولايات المتحدة. كذلك عكَسَ ترامب سياساته إزاء سورية، حسب هذا الطرح، بعد مشاهدته بضع صور، وكان قد اتهم هيلاري كلينتون خلال حملته الانتخابية بأنها سوف تثير حرباً عالمية ثالثة بخططها لزيادة الدور الأمريكي في سورية.
الأمثلة كثيرة، ولكن مؤَدَّاها على ما زعموا هو أن صوراً أو فيديوهات قصيرة مؤثرة تشد الرأي العام عشوائياً ذات اليمين وذات الشمال، فيضغط بدوره على صناع القرار فيتجاوبون، دونما اتجاه واضح في المحصلة!
قناة CNN الإخبارية الأمريكية، في المقابل، أشارت في تقريرٍ لها في 11 نيسان الفائت إلى أن من تأثر بصور الأطفال القتلى في خان شيخون في الحقيقة هو إيفانكا ابنة ترامب، كما تظهر تغريداتها على تويتر، وأنها من أثر في أبيها للقيام بـ«رد فعل»، حسب أخيها أريك ترامب في صحيفة «تلغراف» البريطانية في 11 نيسان، وهو ما لا يخرج عن الفكرة المسطحة إياها عن تحول سياسات الدول جذرياً كرد فعلٍ عاطفي.
إيفانكا كانت قد تحولت لليهودية بالطبع، وهي متزوجة من الملياردير اليهودي الصهيوني جاريد كوشنر الذي عين «مستشاراً أعلى» لترامب، كما أنه ثالث ثلاثة في حلقته الداخلية، وهو قريب من رئيس الوزراء في كيان العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو الذي تناقلت وسائل الإعلام الغربية في شهر شباط الفائت أنه احتل سرير جاريد ذات مرة خلال زيارة لعائلته.
لكنْ بعيداً عن هذه الصلة السياسية-العائلية، كقناة محتملة جداً للتأثير في موقف إدارة ترامب من سورية وغيرها، لابد من التساؤل: لماذا تظهر صورٌ بعينها في لحظات بعينها بطريقة من الواضح أنها تخدم أهدافاً بعينها، من العراق للصومال ليوغوسلافيا السابقة لسورية لغيرها؟! لماذا لا تظهر صور ضحايا العدوان الأمريكي والصهيوني الذين يعدون بالملايين على مدى العقود الأخيرة، وإذا ظهرت، لماذا لا تحدِث تحولات جذرية في السياسات الأمريكية إزاء الدول والشعوب التي دفعت ثمن ذلك العدوان؟! وهل الصور هي التي تغير السياسات الأمريكية فعلاً، أم إن السياسات هي التي تغير الصور، أو بالأحرى، تنتِج ضرورة «موضوعية» لوجودها؟ وهل السياسات الإمبريالية تحركها النزعات «الإنسانية» حقاً كما يفترض ضمناً المتمسكون بمثل هذه الفرضية؟!
إن مشكلة من يتعاملون مع الفضاء الإعلامي الدولي، أو الإقليمي، باعتباره فضاءً محايداً، ينقل بعفوية صوراً أو فيديوهات تم التقاطها بعفوية، هي أنهم لا ينظرون لهيمنة الشركات متعدية الحدود والحركة الصهيونية على الماكينة الإعلام العالمية، ولا يأخذون في الحسبان الهيمنة الأمريكية، في الملكية والإدارة، على وسائل التواصل الاجتماعي، وهم يتجاهلون هيمنة رأس المال الخليجي على وسائل الإعلام العربية، ومن هذه الزاوية يجب أن ننظر لصور ضحايا خان شيخون: من المستفيد؟ متى؟ وكيف؟
ثانياً، ليس صحيحاً أن السياسة الأمريكية إزاء سورية وغيرها تتحرك بشكل عشوائي كرد فعلٍ على صورٍ أو فيديوهات تستفز انفعالات عاطفية جياشة لدى صناع القرار، بدلالة تصاعد التوتر في العلاقات السورية- الأمريكية بسبب سياسات واشنطن ومواقفها على مدى عقد «وأكثر» قبل ما يسمى «الأزمة السورية»، خصوصاً بسبب ملفات العراق ولبنان وفلسطين، كما عبرت عن ذلك روبن رايت في أسبوعية «ذي نيوركر» في 11 نيسان تحت عنوان: «عائلة الأسد: عدو تسعة رؤساء أمريكيين».
باختصار، الصور والفيديوهات تظهر بشكلٍ منهجيٍ مثيرٍ للريبة في لحظات معينة لتعبئة الرأي العام لمصلحة أجندات قوى محددة، وإن لم نرَ ذلك الرابط المتين الذي يخترق كل الحالات التي تم الترويج المكثف فيها لصور وفيديوهات تظهر معاناة إنسانية تتطلب تدخلاً خارجياً، إمبريالياً بالتحديد، فإننا نحن الذين سيتم التلاعب بنا بشكل عشوائي، تماماً كما حدث في حالة صور ضحايا خان شيخون رحمهم الله.
كاتب أردني

print