رنا بدري سلوم
يرمقني طفلي بنظرة حرمان عندما تقترب ساعة الفراق، كي أتوجه إلى عملي في كل صباح، فكم من الصعب على أم ترك طفلها الرضيع؟ والأصعب عندما تحتار أين تضعه خلال غيابها عنه، ولاسيما إن كانت المؤسسة التي تعمل فيها لا تضم حضانة للأطفال، وهذه شكوى تتشارك فيها معظم الأمهات اللواتي التقيت بهن في طريقي إلى الجريدة، وقد تساءلن: من يتبنى مشروع فتح الحضانات هل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أم المؤسسة نفسها؟
«دائماً أنا ما بين صد ورد مع زوجي كي أترك الوظيفة بأخذ إجازة سنوية لكنني أصررت على متابعة عملي فأنا رئيسة ديوان ولا أريد أن أخسر ما وصلت إليه في مهنتي، خصصت أكثر من نصف راتبي لجارتي حيث أعطيها لقاء جلوس ابني عندها عن كل ساعة مئة وخمسين ليرة، فهي الوحيدة التي أثق بها» هذا ما قالته هدى الموظفة في شركة الكهرباء قبل صعودها إلى باص النقل الداخلي متوجهة إلى عملها، لتختم بالقول: أزمة السير هي معاناتي الأولى حيث أقضي ساعات على الطريق والثانية عدم وجود حضانة في عملي، وهذا ما يشعرني بتأنيب الضمير عند غيابي عن طفلي.
بين أمها وحماتها تحتار منى من تختار لتضع عندها مولودتها قبل ساعة من ذهابها إلى العمل، ورغم أنها موظفة في بنك لكنها لا تحبذ أن تضع طفلتها في حضانة خاصة بسبب بعدها عن منزلها وخوفها من نقل العدوى لها من الأطفال، جلّ اهتمامها أن تكون ابنتها بخير وسلامة وبعيدة عن أي خطر، تعاني منى كل يوم أخذ ابنتها من مكان لآخر، وكما تقول: أمي امرأة كبيرة في السن وحماتي لا تستطيع رعاية طفلة كما يجب «على نظام الرعاية الحديث» كما سمتها، وبكل الأحوال هي رهينة مزاج التي ستستضيف ابنتها.
«تعيش الأم المرضع ضغوطاً لا يشعر بها إلا من عانى معاناتها، فالأم هي مرآة لطفلها وهي الحاضن الأول والأخير له، ومن المهم أن يحرص الزوج والأولاد على الاعتناء بها وتخفيف أعباء الحياة قدر الإمكان عنها، لأنها قد تمر بحالة مزاجية ونفسية متقلبة»، هذا ما بينته المرشدة النفسية رؤى برية التي أكدت أهمية أن تكون المرأة العاملة ولاسيما المرضع في نفسية جيدة كي تعطي العمل حقه، و لا يبقى ذهنها مشغولاً بطفلها وخاصة في السنة الأولى من عمر الطفل، تقول: قابلت الكثير من العاملات المرضعات اللواتي يشعرن بتأنيب الضمير لترك أطفالهن أثناء فترة العمل، وعدم قدرتهن على ترك العمل بسبب العامل المادي والظروف الاقتصادية القاسية.
في حين تتساءل شذى رجب خريجة رياض أطفال: مادامت أعداد الخريجات من رياض الأطفال كثير جداً فلماذا لا تفتتح كل مؤسسة من مؤسسات الدولة وإن كانت صغيرة الحجم حضانة للأطفال وتعين الخريجات ذوات الاختصاص ألا يخفف هذا الأمر من معاناة الكثيرات، ويفسح المجال للعمل لمن ينتظرن هذه الفرصة؟
لم ينكر راكان إبراهيم أحد مديري وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن هناك مادة في قانون العاملين الأساسي تفيد بأنه عند وجود أكثر من مئة عاملة في المؤسسة يلزم صاحب العمل بفتح حضانة، لكنه لم يعر الموضوع أهمية متهرباً من شرح القرار ولماذا لا تطبقه جميع المؤسسات الحكومية.
أخيراً نقول الحضانة عالم آخر، كادر طبي وتمريضي ومشرفات إضافة إلى تأمين الأسرة والطعام والأشياء الصحية وغيرها من الأمور، وهي تحقق الاستقلالية في القرار بالنسبة للمرأة العاملة لاختيار المكان المناسب لطفلها، وتقف في وجه كل من يقول كما قال أحد المحامين عندما سألناه عن رأيه في القضية «كل طفل يضل بحضن أمو أحسنلو».

print