إلهام العطار
ت – طارق الحسنية
لم يعد بخاف على أحد ما حملته الحرب الشرسة والأزمة التي نمر بها في يومياتها من آثار وتبعات كبيرة على كل المستويات والصعد، قد يكون أخطرها على الإطلاق، كما بينت الدراسات والأبحاث تلك التي تصب في المنحى الاجتماعي وطريقة تفكير أفراد المجتمع، وبخاصة من عانوا ظروف الفقر والنزوح والتهجير الذين اتكأ البعض منهم على فكرة الاتكال والتواكل على من يؤمن له قوت يومه، فاستسهل الوقوف أمام أبواب الجمعيات للحصول على سلة غذائية، أو وجبة إطعام يومية أو ما يسمى بكرتونة المعونات، بينما البعض الآخر استنكر الفكرة رافضاً إياها رفضاً قاطعاً واتجه نحو التفكير بمصدر رزق يؤمن من خلاله احتياجات أسرته ومتطلباتها، منطلقاً بذلك من المثل الصيني الشهير الذي يقول: «علمه الصيد..بدل أن تطعمه سمكة»، ومن ضمنهم أولئك الأشخاص الذين التحقوا بدورات للخياطة في مشغل الإحسان الذي افتتحته الجمعية الخيرية في مدينة جرمانا فتحولوا إلى معيلين ومعيلات لأسرهم ومنتجين وبذلك يحق أن ترفع لهم القبعات وتسلط الأضواء – في هذه الأيام ونحن نحتفل بعيد العمال -على تجربتهم التي تجسد بشكل فعال وحقيقي الشراكة بين القطاعين الأهلي والحكومي.
خطوة أولى
رغم أن عمر التجربة قصير إذ إنه لما يتجاوز الشهور الخمسة بعد، وحتى أعداد العاملين والمتدربين لم تقارب المئة، لكن غزارة الإنتاج تنبئ بأن في ذلك المكان أناساً يعشقون الحياة وينظرون إليها بعين الأمل.. يترقبون المستقبل ولسان حالهم يقول: مهما كانت الظروف التي نمر فيها اليوم قاسية فلا بد من أن يكون «بكرى أحلى». . لينا الحسن أحد أولئك المتفائلين.. حنينها إلى قريتها وبيتها في محافظة دير الزور التي هجرت منها وعائلتها أضعف قلبها، لكنه لم يكسر عزيمتها وإرادتها التي ساعدتها على التأقلم مع الواقع الجديد والانخراط في سوق العمل عن طريق المعمل الذي تقول إنه سيكون خطوة أولى تفضي إلى خطوات كثيرة، وتتابع: التحقت بالعمل هنا لمساعدة زوجي وأسرتي المؤلفة من أربعة أفراد، فظروف الحياة المعيشية صعبة و«إيد بأيد بتساعد».
هموم شاركتها فيها روعة الصيرفي مهجرة من الدخانية وأم لخمسة أطفال ونعمة خلف مهجرة من مخيم فلسطين وهي معيلة لأسرتها، وهما تريان أن المشروع ساعدهما على الاندماج في المجتمع وأضاف لخبرتهما في الخياطة وحياكة الصوف مهارات عالية، وعلقت روعة بالقول: بما أنني متدربة في المشغل ولست من العاملات الأساسيات فإن جل ما أتمناه هو الاستمرارية في العمل للمساهمة في تأمين بعض تكاليف أسرتي المعيشية.
أما أسامة القاق فهو عامل أساس في المشغل، لم تكن إعاقته لتقف يوماً حائلاً بينه وبين تحقيق حلمه في العمل والإنتاج فقد وجد أن المشغل حقق له شخصيته وغير حياته نحو الأفضل فهو من خلال عمله يساهم في تحسين وضعه الاقتصادي وتلبية متطلبات أسرته، وبناء مجتمعه، ويضيف: نحن نسعى لإنجاح هذا المشروع الرائع لأن فيه مصلحتنا ونجاحنا وهو رد جميل للجمعية الخيرية التي سعت باتجاه احتضانه من أجل أهل البلدة والوافدين إليها، لينهي حديثه متمنياً ازدياد هذه المبادرات لعل ذلك يساهم في التخفيف من مظاهر التسول في شوارعنا التي يتم فيها استغلال موضوع الإعاقة.
أسرة واحدة
بدورها مدربة الصوف في المعمل ألطاف فاهمة، وصفت المشروع بالناجح حيث إنه قدم فرصة عمل للكثيرين وغير نمط حياتهم إضافة إلى دوره المهم في «تعزيز البعد الاجتماعي» لهم وكسر حاجز الانطوائية والخوف الذي ولدته الظروف الراهنة، فهذا المكان الصغير – كما قالت – الذي نجتمع فيه يومياً من أجل التدريب والعمل والإنتاج ما هو إلا صورة مصغرة عن المجتمع السوري بكل أطيافه وفئاته، وهو مساحة ينسى فيها الجميع من متدربين وعاملين ومشرفين ظروف الحرب وويلاتها.
من جهته، مشرف المعمل محمد عز الدين قال: حاولنا منذ البداية توجيه الجميع إلى ضرورة التعامل كأسرة واحدة، وبأن لهم حقوقاً كما عليهم واجبات من أهمها إتقان العمل والالتزام بأوقات العمل حرصاً على نجاح التجربة التي ستعود بالنفع عليهم أولاً وعلى أسرهم ومجتمعهم ثانياً ولاسيما أننا نسعى الآن وبعد أن وصلت المنتوجات إلى أكثر من خمسة آلاف قطعة لإقامة معرض لعرض منتجاتهم التي ستطرح أسماءهم بقوة في سوق العمل.
تميّز وريادة
فكرة المعمل ليست جديدة أو وليدة، لكن وجود الحرفيين والمتدربين في المكان ذاته للاستفادة من خبرات بعضهم البعض، هو ما يميزها وذلك حسبما أوضح طارق دحلة مدير المعمل الذي أشار إلى أن المشروع جاء تتويجاً لجهود صندوق الأمم المتحدة والسكان ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والجمعية الخيرية في جرمانا بهدف تحقيق سبل العيش للأسر المتضررة والمهجرة نتيجة الأزمة من أجل التعافي المبكر الاقتصادي والاجتماعي، وهو يستهدف ذوي الشهداء والمهجرين والمحتاجين والأشخاص ذوي الإعاقة من خلال استقطابهم وتأمين فرص عمل للمهرة والحرفيين منهم وتدريب من ليست لديه خبرة على كيفية تحقيق وجلب فرصة العمل وتحقيق الاكتفاء الذاتي حيث وصل العدد إلى 70 عاملاً وعاملة أساسية و20 متدربة، ليختم حديثه بالتأكيد على أن مشروع الإحسان يأتي في المركز الأول على مستوى المشاريع التي تدعمها الأمم المتحدة، وصار له اسم وتشبيك مع التجار ولتشجيع العاملين تم افتتاح نافذة للبيع مباشرة وبأسعار تشجيعية.
السيدة سورية بحصاص من الهيئة العامة بالجمعية الخيرية بينت أن الجمعية الخيرية قامت بتقديم دراسة وافية لهذا المشغل الذي يعد مشروعاً رائداً، وقد اختارت المنتسبين إليه بطريقة تقنية تعتمد على إعطاء درجات للمتقدمين تؤهلهم لكسب تلك الفرصة التي تحمل بين طياتها الكثير من الأهداف الإنسانية، وبعد انطلاقة المعمل فإن دور الجمعية هو المتابعة والإشراف وتقديم كل ما يلزم لدعمه ومساندته أضف إلى دعم العاملين بسلل غذائية تساعدهم على تحمل قسوة الظروف الاقتصادية الراهنة والتواصل معهم بشكل دائم، وفي الأمس قدمنا لهم قطعة من انتاج المشغل كهدية تكريمية بمناسبة عيد العمال.
دعم نفسي واجتماعي
وبما أنه عند وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الخبر اليقين فقد بينت فاطمة الرشيد مديرة الشؤون الاجتماعية في ريف دمشق أن الوزارة تعمل على دعم هذه المشاريع التي تحقق مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية لأهداف عدة أهمها الانطلاق بالجمعيات للتوجه نحو العمل التنموي وخلق فرص عمل لكل شخص بحاجة إليها من خلال إكساب المستفيدين منها مهارات تفيدهم في الحياة العملية، مبينة أن المديرية تسعى لتأمين الدعم النفسي والاجتماعي ومستوى خدمات مناسب للأسر المهجرة وبخاصة النساء اللواتي أصبحن معيلات وللأشخاص ذوي الإعاقة ولكل من خسر عمله بسبب الظروف الراهنة.

print