آخر تحديث: 2020-08-10 13:56:42
شريط الأخبار

حوار مهيب مع طفلة من ربيع

التصنيفات: ثقافة وفن

  عفاف يحيى الشب

اليوم وأنا أحمل نفسي على جسد غادره دمه ليصبح بارداً كالثلج وأوهنته أخبار لا تصدق حتى خسرت قدرتي على السير بتوازن لأتمايل مترنحة من يمين إلى يسار وكأن رائحة الدم أسكرتني، أفقدتني الصواب وإذ بطفلة اعترضت طريقي.. بالحقيقة طفلة كبيرة صغيرة، سألتني بنضج الكبار: هل تستطيعين الإجابة عن أسئلة قليلة.. الصغيرة جريئة وشجاعة وجسورة..هكذا بدت لي ومن دون تردد قلت: نعم صغيرتي.. ضحكت ضحكة فشلت في تحقيق المجاملة وتابعت بحزم متورمة حروفها ومتوثبة كلماتها، تحاصرها لهفات حائرة إلى معرفة الجواب قائلة: لماذا يقتلوننا؟ نعم؟ قلت بارتباك ودهشة.. هنا ضجت عيونها بغيوم داكنة لتسرح على الوجنات عبرات تلخص الحكاية من ألفها الى يائها ثم وبإصرار عنيد وثقة بليغة قالت: أجل إنهم يقتلوننا ونحن لا ذنب لنا.. في كل مكان من سورية يقتلوننا حتى ترامب يفعل ذلك فهل تستطيعين سيدتي الصحفية تفسير تلك الحقيقة..عندها ارتعدت أوصالي.. تلاشت سنوات عمري.. سقطت خزائن ثقافتي.. خرج وهج من عيني أشعل في داخلي غابات حرائق.. الصغيرة تعرف ترامب وتبحث في ردهات روحها اليائسة عن مبررات لقتل أطفال سورية.. نعم الصغيرة على حق، أطفالنا اليوم يقتلون في أكثر من طريقة.. يقتلون تفجيراً.. تشرداً.. جوعاً.. غرقاً.. كيماوياً.. والصغيرة تفهم هذا الأمر الخطير وتتساءل عن دور الرئيس الأمريكي فيه!.
وبين ثنايا حيرتي واختلاجات مفاجأة أربكتني تابعت الصغيرة: لماذا يفعلون بنا ذلك؟ نحن اليوم نخاف اللعب في الحدائق.. نخاف من الذهاب إلى المدارس.. نخاف على أهلنا وعلى أنفسنا.. كفى أيتها الصغيرة.. كنت أخاف عليكم الموت الجسدي والنفسي.. اليوم أخاف من وعيكم الذي وعي قبيل الأوان.. من إطلالاتكم المباشرة من شرفات طهركم وعفويتكم على ساحات جرائم الكبار.. الموت بالمقصلة.. بالكرسي الكهربائي.. بحبل المشانق هو عنوان الغرب الصناعي المتطور ولا أحد ينكر ذلك فها هاهو ماكسمليان روبسبير يعدم ستة آلاف مواطن في ستة أسابيع بإرسالهم يومياً إلى المقصلة منتشياً بروائح أجسادهم لقد كان يستمتع بأنين الدم وكأنه في دوحة ورد وكانت نهايته إعداما بالمقصلة نفسها بعد أن أصابته رصاصة في فكه وهو لم يتجاوز الستة والثلاثين عاماً.
يبدو أن الطفلة قرأت في سطور وجهي الغاضب ملامح من تلك النوازع فسألتني باستفسار: هل أنت مثلي سيدتي؟.. لم أفهم ما تقصدين يا عزيزتي، وفجأة انخرطت بالبكاء وقالت: بالأمس قتل أولاد عمي الثلاثة معاً.. لقد كانوا أذكياء ومجتهدين.. حينها ضممت الطفلة إلى صدري لأخفي دموعي وأنا أقول: لا تحزني يا عزيزتي ستنتهي هذه المرحلة يا صغيرتي.. سيعود السوريون إلى بعضهم ويعيشون بسلام وسيشيدون لكم المدارس ويجهزون الملاعب وسيفرشون الحدائق بالورد والريحان ويرصفون الطرقات بالمرجان، ستكون لكم في كل يوم مسرحية تسعدكم وقناة أطفال خاصة بكم وخبراء نفسيون لمرافقتكم المشوار، عندها نظرت الطفلة إلي باستنكار ثم تركتني ومضت وربما كان لسان حالها يقول باستنكار: وكيف سيكون ذلك أيتها الصحفية؟.
..كيف؟. كيف؟ أنا لا أدري ولكن الأمل الأخضر يجب أن نوزعه على أطفالنا ليس لإسقاطهم في أوهام الحكايا الشمطاء بعد امتلاء دلاء أرواحهم بالخيبات وانتشار سود المصائب والبلايا على سنواتهم النديات لا.. بل لإنقاذهم قدر الإمكان من عاديات الزمان.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed