مملكةُ المسرح… المملكة التي لا تغيبُ عنها الشمسُ!

تشرين- جواد ديوب:
يجذبنا كتاب (مملكة المسرح/مبادئ أوليّة للأطفال/ منشورات الطفل/ وزارة الثقافة/ تأليف أحمد إسماعيل إسماعيل) منذ عتبته الأولى؛ أي الغلاف المميز برسمة طريفة استوحتها الرسامة عزة أبو ربيعة من مقدمة الكتاب عن التشابه بين ( أكل السمك وقراءة المسرح) فالتهام السمك رغم فائدته لأجسامنا وعقولنا ليس سهلاً بسبب الحسك الذي يفسد متعة الطعام لمن يبتلع السمك من دون حذر أو مضغ جيد.. وهكذا هي قراءة النص المسرحي التي تحتاج إلى عينين يقظتين لملاحظة حركة الشخصيات والتقاط الحوارات وتعدد الأمكنة…وتالياً من يعتاد حسك النص سيتمتع بفوائده كما لو أنه ينال وجبة سمك ممتعة… كما يقول مؤلف الكتاب البارع في إدهاشنا عبر كل صفحات الكتاب المخصص للأطفال بصياغة طريفة خفيفة مسلية وذكية.
الباحث أحمد إسماعيل يحكي للأطفال من دون استخفاف بقدرتهم على الفهم، بل يروي كما لو أنه يتقمص شخصية مسرحية تحدثنا عن المسرحية/الكتاب الذي نقرؤه… أي كما لو أنه يُمسرِحُ لنا أفكاره فتصل إلينا سهلة ممتعة ومفيدة.
وأقول (لنا) لأنه حتى نحن القراء المتمرسين سنجد ما يفيد ويسلّي في مملكة المسرح هذه المخصصة للأطفال… لأننا بالضبط نعود أطفالاً حين نقرأ فقرات بعناوين جاذبة من مثل: الشخصيةُ شمسُ المسرحية، الحوارُ في المسرحية/ نحن نتحاور إذاً نحن عقلاء، العرض المسرحي لوحة تشكيلية حية، المتفرج المسرحي/ نحن نصنع العرض أيضاً، الديكور فن وهندسة لا زينة وبهرجة…. الخ)
عناوين ومضامين تدل على فهم عميق وخبرة عند المؤلف في دمج معلومات تاريخية ومعاصرة عن المسرح تشبع فضول الطفل ونهمه المتواصل في طرح الأسئلة عما يشاهد أو يسمع.
يقول في فقرة ( الشخصية شمس المسرحية) : لو سألنا أحدُهم عن حكاية «علي بابا والأربعين حراميّ» أو عن قصة «السندريلا»… سنجد أننا نتحدث أولاً عن شخصية الحكاية من ناحية الطبع والصفات والأفعال… فقد نخطئ في سرد الحكاية أو قد لا نحسن تذكر الحوارات أو نقل ووصف الصراع… لكننا قلما نخطئ في تذكر أسماء الشخصيات وصفاتها وطباعها وأفعالها.

كما نقرأ في القسم الثاني(العرض المسرحي وأركانه) كيف أن الممثل المسرحي هو قيثارة العرض، فهل نتخيل عرضاً مسرحياً من دون ممثلين؟! فالديكورات الجميلة والإضاءات الباهرة والألوان والموسيقا وكل ما يوجد من أغراض وأدوات على الخشبة لا تكوّن عرضاً مسرحياً من دون الممثل الذي يجسد العنصر الأساس من خلال أفعاله وحركاته ومنطوقه الصوتي وأسلوبه في نطق الكلام وإيماءاته الجسدية وكل ما يستخدمه ويحركه على الخشبة.
و يحكي لنا في فقرة (الإضاءة المسرحية فن وموسيقا بصرية) كيف أنه في أيام زمان حين كانت الشمس هي مصدر الإنارة، قدم اليونانيون والرومان مسرحهم في الهواء الطلق نهاراً ليتمكن المتفرجون في الأماكن المكشوفة من رؤية الممثلين… وكان على أهل المسرح الانتظار حتى اختراع الكهرباء عام ١٨٧٩ ليتمكنوا من الاستفادة من هذا الاختراع العظيم عبر تقنيات جديدة يومها مثل الكشافات الضوئية ذات الأحجام والسطوع المختلف… كل ذلك لخلق ما يسمى بالجو المسرحي للإيحاء مثلاً بالخوف أو القلق أو للدلالة على المكان مثل البحر أو سطوع القمر في ليل المكان… إضاءات متنوعة بألوان جديدة متغيرة تمنح المتفرجين أثراً جمالياً ممتعاً.
الكوميديا والتراجيديا!
ثم ينقل المؤلف قرّاءه نحو فقرتي: الكوميديا والتراجيديا… إذ بالفعل لا يكتمل الحديث عن المسرح إلا بذكر هذين القطبين المتضادين الجميلين.
فنقرأ في (الكوميديا/الضحك بسبب فنٌّ وأدب) :
«من منا شاهد حيواناً يضحك؟ أو رأى وردة تبتسم أو مرّ بنهر أو جبلٍ يقهقه؟! لا يضحك سوى الإنسان، لأن الضحك صفةٌ من صفات الكائنات العاقلة لكنه حاجة ضرورية من حاجات الإنسان مثل النوم والأكل والبكاء.»
وفي حكاية (التراجيديا مأساةٌ لمواساة المتفرج) يذكرنا الكاتب بالمثل الشعبي ( من يرى مصائب غيره تهون عليه مصائبه) فحين نشاهد على الخشبة أحداثاً مؤلمة يتعرض لها الأبطال والملوك والشخصيات المتنوعة وهي تعاني… نشعر بالشفقة عليها، ولكننا نشعر أيضاً كما لو أننا نتنفس راحةً ونتخلص من السموم والهموم كأننا نحن من مررنا بالتجربة وتجاوزناها!
نزاهة!
وفي الكتاب أيضاً حكايات عن مسرح العرائس ومسرح خيال الظل وفن الإيماء… فقرات متنوعة اشتغل عليها المؤلف بمسؤولية وجهد وجدية مستفيداً من مراجع ذكرها بنزاهة في نهاية هذا الكتاب الصغير (تسعون صفحة قطع صغير) من دون الاستخفاف بعقل القراء سواء أكانوا أطفالاً أم كباراً… بل وبأسلوب ممتع وجهد قديم ومديد استحق عليه عدة جوائز عربية من أهمها: جائزة ثقافة الطفل العربي/ الإمارات العربية المتحدة/عن مسرحيته الحقل المنيع سنة ٢٠٠١.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار