آخر تحديث: 2020-01-19 16:42:41
شريط الأخبار

آفاق.. فرنسا الخاضعة ووعد اليسار

التصنيفات: رؤى عربية

  د. صـلاح صـالح

 

مما قاله الشاعر الإسباني رفائيل ألبرتي: «لقد فتح عينيه على لينين, وأغلقهما على بيكاسو.. كم هو رائع إذن ذلك القرن العشرون!» غير أنّ القرن العشرين لم يستكمل إغماض عينيه على تألّق بيكاسو بوصفه علامة  سامقة في حركة التشكيل، وعلامة شكلت فخراً حياً لحركة اليسار العالمي، بل انتهى القرن إلى ما سُمّي اندحار شامل لليسار بكل ما كان يمثله من سياق تاريخي، وأنظمة سياسية، وتطلعات اجتماعية نحو التحرر من الظلم القاتم، وصبوات متنامية باتجاه إنجاز العدالة الاجتماعية، إلى الدرجة التي جعلتْ الشاعر الإسباني يسم القرن العشرين بالسمة اليسارية الشاملة. لكنّ تفكك الاتحاد السوفييتي، واستبدال الأنظمة اليسارية في أوروبا الشرقية بأنظمة تابعة للغرب الرأسمالي الرافل في إحدى دوراته المتوحشّة، أمور تجعل المرء يعيد النظر في التفاؤل (اليساري) الذي أطلقه رفائيل ألبرتي.
في المثل الشائع أن العنزة التي تقع, تتكاثر عليها السكاكين. وكان بعض تمظهرات انهيار منظومة الدول الاشتراكية تكأكؤ السكاكين والسواطير والسيوف التي أخذت تتناوش جسد تلك المنظومة الذبيحة، مع مختلف أشكال امتداداتها، وتصدياتها على شتى الصعد (الثقافية وسواها)، من غير أن يغيب عن البال أن أشرس تلك السواطير، التي تناوشت الجسد الذبيح، كان بأيدي ما كان يُدعى أساطين اليسار، بما فيه اليسار العربي، على مقدار أعلى من التخصيص.
بدا أن انصرام القرن العشرين أجهز على آخر رمق يمكن أن يصدر عن أي هيكل ذي صفة يسارية، أو ينحو نحواً بسيطاً، بطيئاً أو خجولاً، نحو اليسار، لقد أعلنت الرأسمالية المتوحشة انتصارها الذي تجسّدَ مزيداً من التوحّش في أساليب النهب الاقتصادي، وتمركز رؤوس الأموال في أيدي القلة، والمزيد من الغزو، وممارسة البطش العسكري، وتدمير حضارات، وحذف دول وبلدان، واستئصال أنظمة.. وما إلى ذلك.
ذهب الرئيس الفرنسي (الاشتراكي) الأسبق ميتران إلى أنه آخر الرؤساء الفرنسيين، لأن الذين سيخلفونه في الموقع لن يكونوا إلا محاسبين، أو مديرين إداريين، في أحسن حالاتهم.

وأدّعي أن أبسط استعراض لقائمة الذين خلفوا ميتران يصب في توكيد توقّعاته التي ساقها في سياق التحذير من خطورة المرحلة التي تحلّ فيها الشركات الرأسمالية الكبرى العابرة للدول محل الدولة في إدارة العالم، بما في ذلك دول كبرى كفرنسا وغيرها.. من الضروري في سياق ما نحن في صدده ألا ننسى  حجم الانزياح النوعي الثقيل الذي أحدثه ميتران في نقل السياسة الفرنسية  باتجاه الانحياز لـ(إسرائيل) بكل ما يمثله مشروعها ضدّ المنطقة والعالم، وأدّعي أن الجميع في بلادنا عاجز عن نسيان الماضي الاستعماري لفرنسا التي بنت (عظمتها) من عظام الشعوب المقهورة، وخيرات بلدانها، ولا يستطيع أن ينسى انتدابها المشؤوم على سورية، واقتطاع أجزاء ثمينة من أراضيها، وإلحاقها بتركيا، ونهب ما استطاعت نهبه من كنوز مادية وثقافية، وأنّ البرنامج النووي (الإسرائيلي) نشأ من ألفه إلى يائه على أيدي فرنسا.
ورغم ذلك كله، لا يستطيع السوريون عموماً إغفال المشهد الانتخابي الفرنسي الراهن الذي مازه صعود فرنسي يوسم بأنه (يساري متطرف) هو (ميلانشون) الذي يرفع شعار تحرر فرنسا من تبعيتها المذلة للولايات المتحدة.
أنجزت هذه المادة قبل صدور نتائج الدورة الأولى التي يمكن أن يتصدرها أي مرّشح.. وبعض مشكلاتنا أننا نطفو بسرعة على شبر ماء، ولذلك يحسن التحذير من مثل هذا الطفو المبتلى بفرص ضئيلة من النجاح، فالرهان على تغيير جوهري حاسم في السياسة الفرنسية نحو بلادنا، إذا تغير الرئيس، رهانٌ يكاد أن يكون خاسراً, إن لم يكن خاسراً سلفاً. ولكنْ، رغم ذلك، لا يستطيع المرء إلا أن يستنشق جرعة من التفاؤل في حال انتصار الاتجاه اليساري الأصيل المتأبّي على الخضوع، المقترن بإطلاق أحلام العدالة الاجتماعية، وتحريرها من تقييداتها الراهنة، ورفع الظلم عن كاهل الفقراء والمقهورين والمظلومين، في كل مكان، وترسيخ إنسانية الإنسان، وغير ذلك من الأقانيم التي اقترنت بولادة (اليسار) وسيرورته الأصيلة.

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed