شوقي بغدادي

عندما تقرأ شعراً وتكاد تصرخ مع قراءاتك من الفرح، أو تكتئب حتى تكاد تذرف الدموع، فماذا تسمّي هذه الحالة؟
قد يعجز النقد عن أن يفسّر ما حدث لي وأنا أقرأ للشاعر صقر عليشي مجموعته الأخيرة المسمّاة «معنى على التل»، فلم أملك نفسي من أن أتناول هاتفي واتصل بالشاعر أريد أن أصف له حالتي عندما قرأته.
ليس ما قلته له نقداً أو تفسيراً، ولم يكن في نيتي ولا في استطاعتي أن أصنع هذا النقد أو التفسير، ذلك لأنني أتصور أن أيّ نقد أدبي لهذه المجموعة عاجز عن تفسير الحالة النفسية التي تملكتني ودفعتني إلى الاتصال بالشاعر كي أقول له كلاماً غير مفهوم لدى النقّاد، أو حتى من الشاعر نفسه، بل غير مفهوم منّي شخصياً فأنا لست عالم نفس ولا نافداً جهبذاً كي أنجح في توصيل حالتي بالكتابة. يجب أن يقرأ الواحد منا النصّ الشعري متحرّراً من أيّ فكرة مُسبقة أو ثقافة مستبدّة تاركاً لروحه حرّيتها الكاملة ولحاسّته الذوقية ألا تتعاطى مع النصّ المقروء من خلال الأستذة، بل من الفضول الصافي لاكتشاف المعرفة، فإذا توصل حقاً إلى الشعور بحالة من الانفعال الإيجابي مع النصّ فأفضل ما يعبّر به عن هذا الانفعال الصادق هو أن يصفه كما حصل له فعلاً، وقد يكون صنيعه هذا هو النقد المطلوب، وإن لا، فما هي وظيفة الشاعر أو الناقد حقاً؟ أليس المطلوب هو خلق الحالة الشعرية وتالياً النفسية التي تملكت الشاعر أوّلاً ونجح بعدها في نقلها إلينا بالعدوى الجمالية إذا صحّ التعبير.
خذوا مثلاً النصيحة الفنية التي يوجهها صقر عليشي لقارئه في أوّل نصّ في المجموعة إياها تحت هذا العنوان «سيران» عندما يقول:
«خُذ المفتاح/وادخل في الضبابِ
وغلّ/لكي تغلّ/وليس إلاّ/وعبَّ من الغموضِ/على حسابي/وحتى لو عثرت على جوابٍ/فلا تأبهْ/وعِفْهُ هناكَ/وارجعْ خفيفاً/ليس عندك من جوابِ»
مررت بهذا النصّ القصير أوّل ما قرأت من دون أن أتوقف مليّاً كي أسأل نفسي –أو كما يجب على كل قارئ أن يصنعه- لماذا وضع الشاعر هذا العنوان «سيران» لهذا النصّ وليس فيه سيران؟ ولكن ما أن تابعت القراءة حتى انتبهت إلى ضرورة العودة إلى النصّ الذي هو الفاتحة– أو المقدمة للديوان- وقد بدأت أفهم المقصود من كلمة «سيران» في العنوان.
هكذا بدأت أناقش نفسي: ماذا يطلب منا الشاعر في هذا النصّ؟ يطلب أن نأخذ المفتاح وندخل في الضباب وأن نوغل فيه… وهكذا قفزتُ من وصولي للجواب عن سؤالي..
«السيران» إذاً هو التعبير عن «النزهة» الشعرية التي يدعونا فيها إلى المضيّ قُدماً وقد أعترف ضمناً أن جملته غامضة بعض الشيء كالضباب، كي ندرك أن مجموعته مثل «السيران» في البرية الربيعية –أيام السيارين- وعلينا أن نوغل في المعاني حتى ولو كانت غامضة بعض الشيء لأنها قابلة أن تفكّ شيفرتها بسهولة، ذلك لأن «السيران» –أو –المجموعة الشعرية في كتابه- يَعد بنزهة منعشة في أحضان الطبيعة البصرية المراوغة في منحنا الجواب الصريح عن مخابئ هذا السيران لأنه يختم بقوله: «ليس عندك من جواب: وكأنه يقول: لا تطلب من الشعر- في هذه المجموعة تحديداً- أكثر من مشاعر النزهة الطلقة، فهل هناك ألطف من هذه المراوغة الكلاميّة المعبّرة عن افتتاحية للديوان الذي هو النزهة المقصودة. وهكذا ونحن نتابع قراءة النصوص وعند كل نصّ نشعر أنه نزهة أخرى ومن هذه الجولة في المتنزّه نفهم اللعبة الفنيّة التي تقودنا إلى فهم العنوان «معنى على التلّ» في النص الرابع، وكأن النصوص الأربعة الأولى هي الافتتاحية فماذا نفهم من العنوان الذي يقول:
«معنى على التلّ/لم يبعد لأتركهُ/ولم يدعني إلى ظلٍّ/له أصلُ/قالوا: وكيف وصفت الحال بينكما/فقلت: منفصلٌ عنيّ ومتّصلُ/وقد مشيت إليه ما عرفت ونىً/مشيَ السحابة لا ريثٌ ولا عَجلُ»
إلى أن يختم بقوله:
«معنى على التل والوادي العميق أنا
والغيم خاطرة في النفس تنتقلُ»
هذه القصيدة بأكملها لعبة في غاية الطرافة إذ يقودنا الشاعر معه إلى «الطبيعة» أي إلى المعاني الطليقة التي تراوغ الشاعر وكأنها مشهدٌ فوق أحد التلال حيث تغمض وتتألق الأشياء والأفكار من دون أن تسمح لنا بإدراكها جيداً لأنها عالية فوق التلّ في حين أن الشاعر بعيد عنها وكأنه في الوادي العميق حيث تنصبّ فيه الأفكار المتحدرة من أعلى تعبيراً عن النفس البشرية عامة التي تتحرك فيها الأفكار وكأنها تهتز في رقصةٍ لا تهدأ..
كل المجموعة تتابع خطاها على هذا الشكل الذي يبدو دوماً أشبه باللعب مع الأشياء والأفكار، كما مع اللغة والمجاز حتى مع «البَصَل» كما في هذا النص المسمّى «قالت البصلة» من مقطع: «في فن القول» حيث نقرأ:
«تلألأ مرتاحَ النضارة خاطري/شفافيّة تتلو لديّ/شفافيهْ/مرتبة كالشعر/هذي مقاطعي/رقائق موسيقا/ورقّة قافيهْ/إذا أنت أعطيت الكلامَ/لداخلي/ستأخذ منه دقّةً متناهيهْ… إلخ…»
ما هذا الموضوع؟ وما هذه المعالجة الوصفيّة؟ هل صار البصل موضوعاً شعرياً؟… نعم لقد استطاع صقر عليشي أن يصنع من «المرآة» و«الإبرة» و«البصلة» و«النبيذ» موضوعات شعرية بحقّ… فالبصلة هي التي تتكلم وتصف نفسها كرقائق تشبه الموسيقا وطبقات منظمة بعضها فوق بعض كالقوافي… بمثل هذا الأسلوب الطريف المبتكر يتعامل صقر عليشي مع الأشياء والأشخاص والمناظر، وما عليك إلا أن تتابع قراءته وأنت مستعد للرقص أو الركض الخفيف ورفع الصوت من حين لآخر بأغنيته إلى آخر هذه المجموعة الشعرية العجيبة… التي تصنع من أيّ شيء شعراً!.

print