بديع منير صنيج

من يقع سمعه على ألبوم «متل المنام» للملحن وعازف العود «خالد رزق» سيُدرك منذ الاستماع الأول أنه في خضم مشروع غنائي متكامل العناصر الفنية، حيث خصوصية الكلمات وبساطتها، تُوازيها فرادة الألحان وسلاستها، ويتواشج معها في الوقت ذاته التوزيع المميز الخالي من الادعاء، من دون أن ننسى الأصوات الجميلة التي أضفت عمقاً ساحراً على أجواء الألبوم.
ومنذ عناوين الأغنيات الخمس التي انضوت تحت عنوان فرعي «موسيقا من أجل سورية»، ندرك أن هناك سعياً لتضميد الألم بالأمل، ورسم بسمة وضحكة على وجوه الأطفال، ومُداوَرة الخوف بالأحلام، وعلى رأس هذه القائمة سؤال استهجاني مُضمر: «مين اللي قال تقاتلوا؟.. مش حرب يللي صار.. يمكن ما عادوا تحملوا.. عم يلعبوا الكبار»، هذا السؤال المُتضمِّن حيلة شعرية، يزيد من جمالية أن تتحول أغنية إلى حيلة لإدانة الحرب وأسبابها، أو على الأقل أن تكون، بعذوبة موسيقاها والأمل الذي تحويه، تميمة لدرء الشَّر عن بلادنا، ورجاءً بإعادة ما هدمته الحرب فيها «بيتي الصبح حدّو مرق واقف وعم يحلوّ.. لا تفكروا إنه احترق بيتي حيطانه ضوّ.. لولا حجارُه تجرّحوا وللريح ملعب صار.. بعدو بقلبي مطرحُه بيتعمروا الحجار».
بين الآلات الحية في أغنيتي «مين اللي قال» و«متل المنام»، والاعتماد على الآلات الافتراضية في الأغنيات الثلاث المتبقية، جعلنا أمام خيارين في التوزيع، ومع أنه لا يُنقص من القيمة الفنية للعمل، لكنه حرمنا إبداعات من نوع آخر، كما فعل عازف الكلارينيت «يزن الصباغ» عندما شدّنا بما ينفذه وأمتعنا بما أبدعه، أضف أن ارتباط الألبوم بجهة منتجة عالمية «UNHCR» يجعل من الأمر مُستغرباً جداً، هذا ما أوجزه المؤلف الموسيقي مراد داغوم الذي وصَّف هذا العمل الفني بقوله: تم سبك الأغنيات في ألحان ميلودية جميلة، إبداعية في معظمها، وتوزيع احترافي جميل أيضاً يتناسب مع موضوع الأغنية، بما يدل بشكل عام على أساسات احترافية يتمتع بها المشاركون في الألبوم باختلاف اختصاصاتهم. لفت انتباهي في أغنية «متل المنام» التحريك الجميل للبيانو، لكن كان يمكن لبعض الجُمل الموسيقية أن تتحور بشكل طفيف حتى لا توحي بكل هذا التأثر بلحن «بلا ولا شي». وبالرغم من وضوح الإبداع في لحن أغنية «شو بخاف» فإن التنفيذ مع اعتماد إيقاع حركي قريب من الديسكو جعل نصف الأغنية أشبه بأعمال «أليسا» في بداياتها، وكان من السهل تلافي ذلك باعتماد قالب مناسب. أعجبني السبك اللحني في أغنية «مين اللي قال» لكن اللحن تضمن مغامرة قد تكون نابعة من قاعدة: «بعد معرفة القواعد، لا قواعد». فالانتقال إلى مقام البيات من طبقة المينور ذاتها، أو من رابعة مقام الكرد كان مغامرة قد يستسيغها البعض ويبررها باللا قواعد حتى على السمع.. أيضاً لفت انتباهي الأداء الجميل لكل من تانيا صقال ومحمد قباني، من حيث التفاعل مع الكلمة واللحن، ومن حيث التحكم الماهر بالصوت.
الأوركسترالية التي قولبت أغنيتي «الأحلام» و«بضحكة وبسمة» موفقة ومناسبة جداً لموضوعي الأغنيتين، وبالتأكيد ستكون أكثر لمعاناً وإقناعاً لو تم تنفيذها بالآلات الحية. كل الملاحظات التي ذكرتها لا تؤثر أبداً في رأيي بجمال الألبوم عموماً، فهو عمل إبداعي وجميل يستحق من قدمه وشارك فيه تحية وتقديراً لجهودهم.
الموسيقي جمال سامي عواد أوجز رأيه في كل أغنية على حدة، إذ يقول عن «مين اللي قال» إن توزيعها بسيط غير متكلّف، خالٍ من الاستعراض الموسيقي، يعتمد على جمالية وخصوصية الصوت البشري «غناء تانيا صقال»، وأصوات الآلات الموسيقية المشاركة كل على حدة، وبشكل جماعي. جمل موسيقية جديدة تماماً وغير متوقعة، بالرغم من تفلُّتها –شكلاً- من الخصوصية الشرقية، باستثناء جملة بيات واحدة «بيتي حيطانه ضو». استطاع اللحن نقل رسالة كلمات «عدنان الأزروني» بدقة، رسالة رفض الواقع عن طريق تفسيره كلعبة أو كذبة، مع تنبؤ عميق لا شعوري بزوال هذه الغمة. أغنية «متل المنام» حسب «عواد» كانت خالية من الإيقاع كآلة، لكن حضوره كان مميزاً عبر الإيقاع الداخلي للجمل الموسيقية للبيانو والعود (باستثناء ضربة إيقاعية واحدة فقط من قبل آلة الرق مع بداية مقطع «ونصب خيمة وغفي» الثانية)، وهذه محاولة جميلة جداً وجديدة لقول شيء ما حتى لو لم يصل القصد. ثمة بساطة وجمال شديدان في التوزيع، باعتماده على عنصرين أساسيين هما العود والبيانو بتآلف جميل جداً، مع حضور خجول لجيتار باس في الخلفية، صوت «محمد قباني» كان بمنتهى الرقة والجمال، استخدم تقنية غنائية أوصلت بكل أمانة أجواء المنام التي رسمتها في البداية كلمات «الأزروني»، الذي كتب أيضاً أغنية «شو بخاف» وغنّاها بلال الجندي، ورأى فيها «عواد» خروجاً عن جو الأغاني السابقة مع جرعة زائدة من الأصوات الإلكترونية المتنافرة التي بدت بعيدة عن روح الأغنية ورقة كلماتها، بالرغم من دخول الوتريات هذه المرة إلى الأغاني، وهذا لا ينفي جمال فكرة اللحن، والإيقاع المختار والكلمات، كما أن هذه الأغنية تحمل تنوعاً في المزاج اللحني.. «بضحكة وبسمة» التي كتب كلماتها طارق اللابد يعدّها الموسيقي «عواد» أغنية كورال أطفال جيدة بكل المقاييس، إذ استطاعت الجمع بين نوعين من الموسيقا ولغتين مختلفتين عبر المشترك بينهما، توزيع الوتريات في الخلفية كان موفقاً جداً، ولو أن اللحن كان أقل جاذبية من بقية الألحان في الألبوم، وربما صوت السولو الغنائي جاء أضعف من مستوى الكورال. بينما أغنية «الأحلام» فكانت افتتاحيتها، حسب «عواد»، غير موفقة بالصوت الإلكتروني، خفف من وطئها دخول صوت أريج زيات الهادئ الذي لم يخل من بعض التكلف في الأداء أدى إلى صعوبة في فهم الكلام أحياناً. في حين أن مرافقة إيقاعية راقصة حاولت نقل جو الكلمة في جملة «في طفلة من كتر الرقص صار الحلم يرقص معا»، لكنها بدت نافرة عن الخط التعبيري العام للموسيقا. توزيعات قوية من حيث درجة الصوت في الخلفية أدت إلى سماع غير مريح، ربما لغاية تعبيرية معينة، هي الأغنية ذاتها التي تفاوتت فيها القوة في الأداء بين البداية والوسط والنهاية.
يقول جمال: كلما تعقدت الأصوات والعناصر، ظهر الضعف في الأغاني. الأغاني الثلاث الأولى البسيطة أجمل بكثير من الأغنيتين الأخيرتين.

print