وليد معماري

 

.. ها أنت يا معلمي.. تحملني في رحلة صفائك على مركب يمتطي الأمواج الصاخبة.. أقرأ بوحك الممتع للمرة العاشرة، أو الألف: «كيف حملت القلم؟».. تهبنا الربيع.. وتدعي أنك في خريف العمر.. وترسل بين شرايين حبنا لك أنهاراً تتحدر من قمم الشموخ..
ويا حنا مينه.. أيها الصديق والأب، والأخ، والجار، ومشعل النيران في حقول الجليد.. يا الربان في سفينة الكلمة.. أعطيتنا فرح الحياة وسط أمواج صعبة.. ومنحتنا أشرعة الأمان، حين تهبُّ العواصف في بحر من جنون.. لعل يصير لنا إيمانك، فلا ننهار.. ونحتمل درب جلجلة شائكاً وطويلاً، كي نصل إلى مرافئ الطمأنينة..
.. أقرأ في تدفق ينابيعك، سؤالك الصعب: «هل تعرف دمشق يا سيدي؟».. كأنما السؤال لنا… أن نكتشف هذه المدينة العجوز… المدينة الطفلة في البراءة.. المدينة التي ترتدي العشق والتمنع، فينهمر شتاؤها شمساً.. وصيفها غيوماً.. وياسمين عرائشها أنجماً من ندى وحنين… و..«حبيبتك قد لا تأتي..» _ تقول أنت وتصرخ بملء الحنجرة: «آه يا مدينتي، ما أحوجنا إلى الجنون.. قليل من الجنون»…
ولماذا أعيد تكرار ما كتبت؟.. ليس جميلاً أن يقرأك المرء نتفاً وشذرات.. كمن يرتدي معطفاً بلا أردان.. بل أن يفتح قلبه لانسكاب خمر ذكرياتك المتدفقة المعتقة، لعل قلبه ينبض عبر تدفق الحقيقة في أوردة الحياة.. ويسمو من قشرة السطح الزائفة إلى أعماق الإنساني في الإنسان.. ويبدأ الحياة.. متجدداً بك ومعك.. يا قبطان الكلمة، والأشرعة التي لا تشيخ..
ثلاثون سنة.. (هل صارت أربعين، أو خمسين؟).. وأنت في دمشق، ولا تعرفها!.. ذاك لأنك لم تولد فيها… أنا مثلك.. لم أولد في دمشق الطفلة، والبراءة.. سوى أن المدينة ولدت فينا ذات أمواج هادئة، ووجدنا أرواحنا خارجة من العاصفة.. وفي أيدينا سيوف تقاتل التنين، ومردة الظلام، ولا تستكين للعتمة… المدينة التي تولد فينا كل صباح… تتخابث أحياناً.. تغضب منا، أو تغضبنا.. فنظل عاشقين، كما (حمامة زرقاء في السُّحب).. نعرف أزقتها.. وحجارة البوح فيها، ومشربيات العناق، وإيوانات السهر.. وزخرفات المكتبيات الساكنة.. ونحفظ، كما تحفظ أنت، نزقها.. و(أُكُرات) البرونز فوق خشب أبوابها.. ننتظر (ثلجاً يأتي من النافذة).. فتنفتح الأبواب.. وأنت من تقول إنك: «كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين، فالكفاح له فرحه، له سعادته، له لذّته القصوى، عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحياة الآخرين»…
ومن عجب يا معلمي أني خرجت من حيث دخل تلميذ المسيح، توما الشكاك، فلم يوقن إلا حين لمس جروح معلمه.. وحصل على اليقين أن درب الجلجلة، لا بد منه لأجل فجر القيامة.

print