د. صـلاح صـالح

ظنّ المسلمون الأوائل أنّ العرب سينصرفون عن نظم الشعر بعد أن ذهب القرآن الكريم إلى اتّهام الشعراء بالغواية والضلال، والعجز عن قرن القول بالفعل، ضمن الآيات المعروفة التي افتتحت ما يمكن أن نسميه في الثقافة الإنسانية بـ«أدب الالتزام السياسي» وتقديم وظيفة الأدب على طبيعته «الأدبية» عبر تبجيل الشعراء الذين يوظفون شعرهم في خدمة الدعوة الإسلامية الناشئة في حينها، واستثنائهم ممّا اتُّهم به جمهور الشعراء. ويذكر الباحثون أنّ حركة الشعر العربي تعرّضت لما يشبه المحنة التي أخرجت عباقرة ذلك الشعر من فردوس الرضوان الإلهي، وهمّشت القول الشعري الذي كان التجسيد الأكثر عبقرية لمجمل فنون القول، ونحّته -بصورة مسبقة- إلى مرتبة لاحقة تالية للقول الإلهي المتجسد في القرآن الكريم.
لكن حركة التاريخ، وحركة الشعر في التاريخ، ذهبتا خلاف الجوّ الذي أشاعته تلك المحنة الشعرية، فالشعر الذي قيل بعد الإسلام، كان أضعاف أضعاف ما قيل قبله. ولا يرجع السبب إلى أن الزمن الثقافي بعد الإسلام كان أطول بما لا يُقاس ممّا كان قبله، بل يرجع السبب إلى التطور الثقافي، ومعطياته الذاتية التي عاشت، ونمت، في معزل كلّي عن التأثّر بمجمل المناخات التي أشاعها الإسلام في عموم المناطق التي شهدت انتشاره. فالشعر الذي قيل باللغة العربية يمضي معظمُه في الاتجاه المغاير لاتجاه المقاصد السياسية والأخلاقية التي سعى إلى ترسيخها الإسلام. ولا أدلّ على ذلك من اندفاع الشعراء -دونما استثناء تقريباً- إلى التغنّي بالخمرة، واندفاع بعضهم إلى نظم الشعر الفاحش بالغلمان والنساء. من غير أن ننفي وجود شعراء وقفوا شعرهم، بكله، أو ببعضه، على أغراض دينية، كالمدائح النبوية، وشعر الوعظ، والزهد، والحكمة. لكن هذه الأغراض الأخلاقية هبطت بمستوى الشعر إلى حضيضه الفني الذي عاينه عصره الذي أشاع قولاً، أو حكماً نقدياً، لايزال صالحاً لإطلاقه على فنون عصرنا: «الشعر إذا دخل في باب الخير لان».
التزم الفلاسفة المسلمون موقفاً شديد الرحابة من حركة الشعر العربي، عندما ذهبوا إلى أن الشعر مجرّد كلام، فما حَسُنَ منه كان حسناً، وما ساء كان سيّئاً. وما بسطتُه في هذه السطور يعرفه أيّ خرّيج جامعي من أحد أقسام اللغة العربية. لكن التذكير به في ظل هذا المناخ الشامل من التزمّت، ومحدودية التفكير ضروريّ. وتزداد ضرورته إلحاحاً في ظل استهداف علمانية الدولة السورية من قِبل أفراد، وهيئات ترتدي القناع العلماني، وبعضها موجود يمارس سلطانه النافذ ضمن مفاصل النفوذ داخل مؤسسة الدولة، لكن هذه الهيئات المقنّعة تمارس في الواقع الفعلي ما تمارسه الوهابية من تفكير ينعكس سلوكاً تكفيرياً، لكنه سلوك متقنّع بشتى الحجج التي تدّعي حرصها على الأخلاق العامّة، وحرصها على تحاشي الاصطدام «غير المناسب» مع ما يُسمّى بالمؤسسة الدينية التي يقتضي إنصافُها تذكيرَ السوريين بمواقفها الوطنية النبيلة في سياق فجيعتنا السورية الراهنة.
أقدم وهّابيو اليوم على قطع رأس تمثال أبي العلاء في المعرة، ودمّروا أكثر مما استطاعوا تدميره من كنوز، وأوابد ثقافية. ولو تمكّنوا من إعادة حركة التاريخ إلى الوراء -مثلما يحاولون اليوم- لأقدموا على قطع رؤوس جميع أعلام الشعر العربي القديم دونما استثناء، هذا الشعر السامق الذي صال وجال في أخطر المناطق التي حرّم المتزمّتون أن يتجول فيها أحد، حتى على مستوى التفكير، لكن الشعر العربي اقتحمها، وأحسن اقتحامها، عبر أساليبه الجمالية التي تنعم بها الآن مختلف المناطق التي تعتمد العربية لغةً للتداول والتفكير، والإبداع. ورغم كل عصور التزمّت والظلام، التي جثمت فوق صدورنا مئات الأعوام لم تستطع هذه العصور منع تدفّق حركة الشعر عبر شرايين العصور إلى يومنا الراهن. فهل يستطيع متزمّتو اليوم من تكفيريين، ومتقنّعين بالعلمانية أن يفعلوا ما عجزت عن فعله عصور الظلام؟.

print