د. إبراهيم علوش:

تقدَم مؤيدو تحويل النظام السياسي في تركيا إلى رئاسي، على المعارضين، بنسبة 51.2% مقابل 48٫8٪ للمعارضين من مجموع المشاركين في الاستفتاء على تعديلات دستورية يُلغى بموجبها منصب رئيس الوزراء، ويُعطى فيها رئيس البلاد صلاحيات واسعة النطاق يستطيع بمقتضاها حل البرلمان وتعيين كبار المسؤولين الحكوميين من وزراء وقادة جيش وغيرهم والتدخل في السلطة القضائية.  كما أنها تعديلات تقول وسائل الإعلام إنها ستتيح لرجب أردوغان أن يبقى في السلطة حتى عام 2029!
وقد جاء مثل هذا التحول نحو الحكم الفردي المطلق فيما ينصب أردوغان نفسه راعياً قسرياً للحريات و«الديمقراطية» و«تداول السلطة» في الدول العربية… مع العلم أن التعديل الدستوري جاء عملياً «ليشرعن» السلطات غير المحدودة التي حظي بها أردوغان بعد الانقلاب الفاشل في 15 تموز الفائت ليحكم بقرارات تنفيذية بعيداً عن أي رقابة نيابية أو قضائية أو إعلامية، وعلى إيقاع «حالة طوارئ»، تم تمديدها عدة مرات، سمحت لأردوغان بإلقاء عشرات الآلاف في السجون، وطرد عشرات آلاف آخرين من وظائفهم بينهم مئات القضاة، واعتقال نواب وإعلاميين وكتاب وأساتذة جامعيين، وتكميم أفواه المعارضين، ومصادرة عشرة مليارات من الدولارات من مؤسسات ومواطنين أتراك قيل إنها مملوكة لشبكة تابعة لمنافس أردوغان السياسي فتح الله غولن!
اقتصادياً، هبطت قيمة الليرة التركية 17% مقابل الدولار في العام 2016، و4% منذ بداية العام 2017، وبلغ معدل التضخم في شهر آذار الفائت أكثر من 11%، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2008، كما بلغ معدل البطالة عام 2016 حوالي 11% وبين الشباب إلى ضعف ذلك الرقم، كما تتردد رؤوس الأموال الأوروبية التي تعد الرافعة الاستراتيجية للاستثمار الأجنبي في البلاد، بالمجيء إلى تركيا، ولا يدرك معظم العرب أن تركيا التي تجتاح منتجاتها الأسواق العربية تعاني في الواقع عجزاً مزمناً في الحساب الجاري ازداد بشدة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، حتى بلغ حوالي 37 مليار دولار في العام 2016، بزيادة نصف مليار دولار تقريباً عن مستواه في العام 2015، كما تعاني أيضاً عجزاً مزمناً في الميزان السلعي، أي أن وارداتها أكثر من صادراتها، وقد بلغ ذلك العجز في شهر شباط وحده مثلاً سالب 3 مليارات و690 مليون دولار. فالاقتصاد التركي لا معجزة ولا لغز، إلا في دعاية الإسلام السياسي والبتروغاز وموقع «الهافينغتون بوست».
وتقر أجهزة الدعاية التابعة للنظام الأردوغاني بأن ما تسميه «الصعوبات الاقتصادية» أسهمت في تراجع التأييد للتعديلات الدستورية إلى مثل تلك النسبة الضئيلة التي نجحت بناءً عليها، ولم تكن لتصلها أصلاً لولا فتح معركة داخلية مع «الأكراد» لنيل تأييد «الحركة القومية» ومناصريها، ولكن النهج الذي انتهجه النظام التركي للتحول إلى سلطنة عثمانية، تركياً وإقليمياً، يضعه حتماً في مسارات تصادمية على عدة مستويات في الداخل والخارج.
أول تلك المسارات هو الداخل التركي الذي أبرز مدى الانقسام المجتمعي حول التعديلات الدستورية نفسها، وحول إجراءات تغيير العقيدة السياسية للدولة بعيداً عن إرث أتاتورك، فإذا كان أردوغان كسب معركة الاستفتاء، بهامش هزيل، فإنه خسر معركة التوافق الوطني وأغلق المنافذ السلمية المتاحة أمام ممارسة المعارضة قانونياً ما يفخخ المشهد السياسي التركي بمجموعة أزمات لا بد من أن ينفجر بعضها، عاجلاً أم آجلاً، إن لم تجد تصريفاً لها من خلال القنوات المتاحة التي راح يغلقها النظام التركي تباعاً. فإذا حاول حزب العدالة والتنمية أن يلوح بورقة الفيدرالية ليسكّن الأكراد، كما فعل ليشقهم قبيل الاستفتاء، فإن ذلك سيفجر مشكلة مع حلفائه في الحركة القومية لا محالة، وسيلقي بثقلهم موضوعياً إلى جانب الكماليين عموماً، وحزب الشعب الجمهوري خصوصاً، وإذا بقيت الأزمة مع الأكراد مفتوحة، فإنها مرشحة للتفاقم في الداخل التركي وخارجه وصولاً إلى أوروبا.
خارجياً، ثمة أزمة متفاقمة مع الاتحاد الأوروبي بسبب التوجهات السلطوية للنظام التركي، وثمة أزمة مع روسيا «من أنغوشيا إلى منبج»، وثمة أزمة مع الصين «من جينجيانغ إلى معسكرات الحزب الإسلامي التركستاني في إدلب»، وثمة أزمة مع إيران «من القاعدة العسكرية التركية في قطر إلى الموصل وحلب»، وثمة أزمة بالضرورة مع العراق وسورية عنوانها المشروع التوسعي العثماني، وثمة أزمة أشمل مع الشعب العربي برمته تحت ذلك العنوان نفسه الذي سبق أن دفعنا ثمنه أربعة قرون عداً ونقداً من التخثر الحضاري، لكن خط سير حمم البركان المتفجر الأهم إقليمياً ودولياً يظل مشروع النظام التركي في تأمين مسار أنبوب الغاز القطري، عبر المناطق التي يزعم أنه يحارب «مشروعاً كردياً أو داعشياً» فيها، في شمال العراق وشمال سورية، وصولاً إلى تركيا.  أما وقد عجز عن إحداث الاختراق المطلوب في تلك المناطق، فإن النظام التركي بات يرقب الأمريكان بحسرة وهم يحاولون أن يضعوا، بالتعاون مع الوكيل المناسب، يدهم عليها مباشرة.  وذلك هو الخسران المبين.
العبرة هي أن نهج أردوغان وحزبه يدخل تركيا في مسارات تأزيم متصاعدة على عدة صعد مرشحة للانفجار في وجه النظام التركي إذا لم ينزل عن حصانه الخشبي العثماني إلى أرض الواقع ومعادلاته. فإذا أراد تخفيف حدة التناقضات مع أي من القوى المحلية أو الإقليمية أو الدولية الأساسية المحيطة به، فإن عليه أن يقدم تنازلات كبرى على المشروع العثماني السلطوي نفسه، وإن لم يرد، فإنه سيضع تركيا نفسها على المشرحة التي حاول أن يضع العراق وسورية عليها

*كاتب أردني

print