إدريس هاني:

الكتابة كما قال كافكا ضرب من الصّلاة، فماذا لو تعلّق فعل الكتابة بسورية اليوم حيث تبلغ التراجيديا مداها. ليست المأساة في سورية أنّها تحارب وحدها تحت طائلة لعبة الصّورة المدعومة بنظرية تدوير الزوايا القانونية في نظام دولي هو كذلك ليس إلاّ في حكم المجاز، فالعالم سوف ينهض مستقبلاً على هذا النمط من الحروب التي ستكون المدينة مجالها الأثير، فالعقيدة العسكرية للمستقبل تأخذ في الحسبان الحرب غير الكلاسيكية التي استوعبت سورية دورتها لكي تشكّل مدرسة المستقبل في قهر الإرهاب العالمي، لكن المأساة اليوم تكمن في أنّ فكرة الانتماء باتت على حافّة التّحدي ما يستوجب مقاربة استعجالية لتحديث فعالية النزعة الوطنية التي تعيد المعنى لاستمرارية الكيان السياسي للدّولة، فكما أنّه لا دولة من دون شعب، فأيضاً لا وطن من دون دولة. في سورية تحديداً اختبرت العولمة آخر منسوبها من التّوحّش والعدوان، لأنّ طبيعة الشعارات التي اختبأت وراءها نزعة ما بعد الدّولة تنتمي إلى العولمة والرأسمالية المتوحّشة التي تهدف إلى إبادة مفهوم الدّولة والكيان القومي. فالحرب هنا هي أبعد من جنون «داعش» وسائر أدوات الإمبريالية المتفاوتة التأثير. كثيرون ليسوا في وارد تقدير الفاتورة التي تدفعها سورية اليوم بسبب سياستها الاجتماعية، فالحقوق التي تحدّث عنها أعداء  سورية بمن فيهم من لا يملكون دستوراً يتعلّق بالحقوق السياسية، مع أنّ الهاربين من الحلّ السياسي هم من أعلنوا أنفسهم معارضة في الخارج في توقيت غير مناسب لنشأة المعارضة بالمفهوم الدّيمقراطي، لكن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي تقوم مقام الأصل والغاية للحقوق السياسية هي عديمة في البلدان نفسها التي ساهمت في الحملة الدولية والإقليمية ضدّ سورية، حيث من السّهل أن يحجب الرّيع النفطي فظاعة الحقوق المدنية والسياسية.
إنّ عهد الإنفاق الدّولي على الصحة والتعليم وما شابه ذلك بات جزءاً من تاريخ الاقتصاد السياسي، وسيكون موقف الإمبريالية من الدول التي تنهج السياسة الاجتماعية وتقاوم فوضى تحرير القطاعات الحيوية العدوّ الأوّل لها. قبل شهور وأثناء مناقشتنا في ليشبونة لواقع حقوق الإنسان على هامش الذكرى الخمسينية لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فضّلت أن أتحدّث عن موضوعة أساسية تتعلّق بالحق في السيادة واستقلالية القرار في إطار الهيمنة الإمبريالية على تفسير القانون الدّولي، وهنا كان مثالي عن سورية باعتبارها مجالاً لهيمنة الإمبريالية على القانون الدّولي ومؤسساته، بل وعلى سياسات حقوق الإنسان من خلال تجنيد الصورة في عملية تحريف حقيقة الصراع. فالحقوق الاجتماعية والاقتصادية هي أولوية في سورية خلافاً لكل البلدان العربية التي انهارت فيها الطبقة الوسطى، واليوم وفي زمن الحرب والحصار والتآمر على البنية التحتية السورية ما زالت سورية خارج لعبة الديون العالمية، كما أنّ المواد الأساسية مدعومة مقارنة مع سائر البلاد العربية، في سورية تبدو المواد الأساسية أقل تكلفة منها في سائر البلاد العربية، وفيها اليوم يستطيع المواطن أن يتمتّع بالتعليم المجاني الذي انقرض في البلاد الغربية، وفي سورية اليوم يستطيع المواطن أن يتمتع في حدّ معقول بالتغطية الصحية، حيث الحق بعملية قلب مفتوح مجّاناً في مستشفيات عمومية، الأمر الذي يستحيل وجوده في العالم العربي بل في أوروبا. هذا هو الشيء الذي يرعب الدوائر الغربية المجنّدة من قبل بارونات المال والليبرالية المتوحّشة، لأنّ صوت سورية ليس فقط يعلو في سماء المقاومة السياسية والعسكرية للمشروع الإمبريالي بل ثمة المقاومة الاقتصادية التي يعلو فيها صوت السياسة الاجتماعية في عالم أرادت له الرأسمالية المتوحّشة أن يكون فيه المجتمع عارياً أمام مراكز إنتاج الوفرة الرأسمالية في غياب سياسة اجتماعية للتوزيع، ومن دون حقوق اجتماعية واقتصادية، الحقوق التي لم يعد يؤمن بها أو يطبقها في بحر من اللّبرلة الكاسحة سوى سورية: الإمبريالية التي تسعى لتجويع المجتمعات وإكراهها على الانصياع لشروط صندوق النقد الدولي هي نفسها التي تتحدث عن «إنقاذ الشعوب» بحبال ديمقراطية ممسرحة فارغة من أي مضمون اقتصادي واجتماعي. اليوم وبعد ست سنوات من المقاومة لمشروع تفكيك الدولة والشعب السوريين، أصبح في الإمكان محاسبة المجتمع الدّولي: كيف تكون الدّولة ديمقراطية مخملية في مجتمع دولي همجي يستهدف قرار الدول وسيادتها ويدعم الاحتلال بالمناورة القانونية واللوجستيك العسكري؟
إنّ سبب صمود سورية اليوم هو نتاج سياساتها السابقة وعلى رأسها سياستها الاجتماعية التي حصّنت الشعب اقتصادياً، ومن ثم أمكنها تحصينه سياسياً وأيديولوجياً، فالديمقراطية باتت شاردة بين سلالم الموسيقا الدّولية، فأي سلّم موسيقي مناسب يا ترى للديمقراطية السورية؟ أعتقد أنّ الدّول التي تكافح من أجل سيادتها واستقلالية قرارها، وفي مقدّمتها سورية، ليس أمامها سوى ضرب من الديمقراطية مختلف عن ديمقراطية الفرجة والإثارة: ديمقراطية مقاومة تساهم في التنمية السياسية والاجتماعية مقابل ديمقراطيات الرسوم المتحركة على مساحة جغرافيا الاستتباع.

*كاتب مغربي

print