أسامة الدليل:

لا يوجد حالياً مكان على الكرة الأرضية يمكن انتهاك القانون الدولي فيه سوى العالم العربي، فمنذ غرس «إسرائيل» بالقوة على أراضيه إلى العدوان على مطار الشعيرات, وسلسلة انتهاك الأعراف والقيم والقانون الدولي لا تنتهي, لكن المثير بالفعل أن هذه الجغرافيا هي المكان الأبرز الذي توجه إليه العقوبات وتندرج دوله تحت الفصل السابع, باستثناء «إسرائيل» طبعاً التي لا تبادل الجمعية العامة للأمم المتحدة أي احترام، وتشارك الغرب انتهاكاته المستمرة في هذه المنطقة التي يطلقون عليها بالمخالفة للقانون الدولي مصطلح «الشرق الأوسط».
واسمحوا لي أن أشير إلى «إسرائيل» بوصفها وظيفة في الجغرافيا لا بوصفها دولة ولا كياناً، ذلك أن أي كيان له أبعاد إلا الكيان الصهيوني، وأي دولة لها حدود إلا هذا الكيان، ومع ذلك يعدّها القانون الدولي دولة خرقاً لكل نصوص القانون فيما يتعلق بتعريف الدول، فـ«إسرائيل» في حد ذاتها انتهاك لنصوص القانون الدولي ووظيفتها الأساسية انتهاك القانون الدولي, ولذلك لا تعدم الفيتو الأمريكي كلما أسرفت في جرائم الحرب، ولا تعدم الدعم الغربي كله كلما أوغلت في العدوان، ويبدو أن شريكاً استراتيجياً جديداً لها بات قيد الاعتماد في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وظيفة جديدة في الجغرافيا مثلها اسمها الإرهاب إلى أن يتم الاستقرار على اسمها النهائي سواء «الدولة الإسلامية» أو «النصرة» أو «الخلافة».
ومع بداية الأسبوع الحالي قام الإرهاب شريك «إسرائيل» في المنطقة بتفجير حافلات تقل مدنيين من كفريا والفوعة في منطقة الراشدين بريف حلب السورية في سياق تبادل كانت له أطراف دولية ضامنة وكأن شيئا لم يكن, وفي الأسبوع ذاته ثبت تلبس الإرهاب «الداعشي» باستخدام الغازات السامة في الموصل العراقية وكأن شيئا لم يكن، ومن قبل ذلك بأسبوع انتهكت أمريكا القانون الدولي لضرب مطار الشعيرات الذي تصدى لانتهاك «إسرائيل» للقانون الدولي وأسقط لها طائرة معادية من قبل، لكن فيما يبدو أن تهليل دول يقال إنها عربية لهذا الانتهاك الأمريكي أضفى على فعل الانتهاك «شرعية» دولية من حيث لاشرعية. وهو الأمر الذي – فيما يبدو- صدم الأمريكان في شبه الجزيرة الكورية.. ذلك أنهم لم يجدوا هذا التهليل حاضراً في هذا الإقليم من العالم ما جعلهم يتراجعون فوراً عن ضلالهم ليصدروا بياناً عن الخارجية يعلن مساء الاثنين الماضي بالنص: «لانريد نزاعاً مع كوريا الديمقراطية ولا نسعى لتغيير النظام فيها».
جاء هذا بعد أقل من عشر ساعات من تصريحات عنترية منتشية «بالنصر» الرخيص الذي حاولوا ترويجه في العالم بضرب الشعيرات وإسقاط ما يسمى أم القنابل على أفغانستان. ففي سياق زيارته لكوريا الجنوبية, وفي المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين قال نائب الرئيس الأمريكي«مايك بنس» نهار الاثنين: إن «الصبر الاستراتيجي» تجاه بيونغ يانغ قد نفد. وبالرجوع إلى عشرات المصادر في العلوم الاستراتيجية وبالذات تلك التي نشرت منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم, لم أجد أثراً لفعل استراتيجي اسمه «الصبر»، والحق أن الصبر بطبيعته تكتيك وليس استراتيجية ويرجع الفضل في هذا الاكتشاف إلى الأعراب أصحاب تكتيك: «الصبر مفتاح الفرج».
لقد تراجع الأمريكيون وحلفاؤهم في أوروبا عن إشعال حرب عالمية ثالثة بالعدوان على كوريا الديمقراطية، هذه الدولة التي سبق لها أن أرسلت كتيبة من الطائرات بطياريها إلى مصر للمشاركة في حرب تشرين التحريرية 1973 وقضى منهم مقاتلون وهم يشتبكون مع الطيران الصهيوني انطلاقاً من مطار شاوة في المنصورة شرق دلتا مصر، والأمريكيون بالحقيقة لم يتراجعوا إلا بعد أن تبين لهم «بالبرهان المادي لا بالفبركة» أن الجدران المحيطة بهذه الدولة ليست واطئة بالقدر الذي يمكنهم أن يقفزوا من عليها. إذ لم يجدوا فراغاً استراتيجياً كذلك الذي يعيش في ظله العرب، ولم يجدوا نظماً ملكية تخرب نظماً جمهورية كما هي الحال في العالم العربي، والأهم أنهم لم يجدوا ترحيباً وتهليلاً بنياتهم انتهاك القانون الدولي من الصين ولا من روسيا ولاحتى من تلك الدول التي تصور الأمريكيين أنهم حلفاء في المنطقة, ذلك أن تلك الدول تعي تماماً أن رصاصة واحدة في سماوات شبه الجزيرة الكورية ستطيح باستثمارات بالتريليونات في كوريا الجنوبية واليابان. فضلاً عن استفزاز التنين الصيني – الدائن الأول للولايات المتحدة الأمريكية– الذي قام في ساعات محدودة بنشر 150 ألف جندي على الحدود مع كوريا الديمقراطية للتصدي لأي عربدة محتملة أو انتهاك للقانون الدولي.
الدرس الوحيد هنا أنه لا يوجد ما يسمى الصبر الاستراتيجي لكن يوجد ما يسمى الردع، أي أن يتم دفع الخصم للتفكير مرتين قبل أن يعقد النية في البدء بالرصاصة الأولى، وأن الاستراتيجية في ذاتها تعني القدرة على الحفاظ على المبادرة وإفقاد الخصم القدرة ذاتها، وأن الجدران الواطئة هي دعوة دائمة للكلاب المسعورة العابرة للنهش والانتهاك المستمر، وأن الجغرافيا في هذا العالم لها أسماء حقيقية. لا يمكن تطييفها ولا أثننتها ولا تزييفها, مثلاً: منطقة شبه الجزيرة الكورية والصين واليابان لا يسميها أحد اليوم الشرق الأقصى. الشرق والغرب والأقصى والأدنى هي محض اتجاهات على الخرائط وليست دولاً أو كيانات سياسية. وصاحب مصطلح الشرق الأوسط هو مكتب وزارة المستعمرات البريطانية في الهند «الاستخبارات البريطانية» وكان يشير حينها عام 1850 إلى موضع العالم العربي من الإمبراطورية البريطانية. التي رسمت قبل مئة عام مع فرنسا خرائط الجدران الواطئة في أرض العرب.

* كاتب مصري

print