لبنى شاكر
ت- طارق الحسنية
مع غياب مهرجان دمشق المسرحي، فقدت المدينة وجهها  الثقافي الأكثر بهاء، وسرعان ما صار المشهد جزءاً من عرض أكبر يعيشه السوريون منذ سنوات.. وجوه مسرحية اختارت الانكفاء، وأخرى توارت خلف حسرتها على أيام العز في المسرح الخاص، هكذا أصبح المكان محجوزاً لمديرية المسارح والموسيقا في وزارة الثقافة، الجهة الوحيدة المعنية إن صح التعبير في المسرح السوري بما له وما عليه… في حواره مع «تشرين» لا يبدو مديرها عماد جلول راضياً عن الأداء الإعلامي تجاه المديرية لكنه مع ذلك يعده شريكاً في كل الظروف، عدا عن إشكاليات كثيرة يرفضها لأسباب تأتي في مجمل الحوار، وإن كان الراهن المسرحي يحكي عن نفسه بنفسه!.

سألنا جلول بداية عن خطة عمل أو رؤية اتبعتها المديرية خلال سنوات الحرب، لكنه في رده أكد أن «آلية العمل في مديرية المسارح والموسيقا لم تتغير أبداً، ولا يوجد اختلاف بين إنتاج العرض المسرحي قبل الأزمة أو خلالها، لكن ازدادت الصعوبات والتحديات، إضافة إلى الأعباء التي ترافق العرض المسرحي، ومع ذلك لم يتوقف المسرح خلال الأزمة حتى إن إنتاج العروض المسرحية ازداد خاصة في المحافظات، هذا الكلام ليس لغاية إعلامية بل لواقع يظهر بوضوح في أرشيف المديرية».
يبدو أن عدم الرضا عن الإعلام يبدأ من هنا، يضيف مدير المسارح: لدينا عتب على المراكز الإذاعية والتلفزيونية في المحافظات، فهي لا تسلط الضوء بشكل يتناسب مع طموحاتنا تجاه العروض، ففي حلب مثلاً التزمنا بعروضنا المسرحية كمهرجان الأطفال والاحتفال بيوم المسرح العالمي ومختلف النشاطات الفنية على الرغم من صعوبات تأمين الكهرباء والماء والمواصلات، كذلك الأمر في الحسكة والقامشلي والسويداء، في درعا مثلاً قدمنا حفلات فنية لفرقتي «إزرع» و«ماهر حمامي»، مع ذلك يكثر اللوم تجاه المديرية وتُتهم بالتقصير، حتى إن عدداً من الفنانين قال ذلك مباشرة في احتفالية يوم المسرح الأخيرة، بعضهم أعلن موت المسرح لم تبد مديرية المسارح في موقع المتهم؟
يجيب جلول: لسنا في موقع اتهام بل على العكس عروضنا نشطة، يمكن المقارنة بين المسرح السوري في ظل الحرب، مازال ممثلوه وجمهوره حاضرين رغم الأوضاع المعروفة، وفي بعض العروض تمتلئ المقاعد طوال 15 يوماً، في حين إن دولاً أخرى لم تستمر حالة الأزمة فيها لأكثر من شهر، توقفت مسارحها لمدة عام أو عام ونصف العام، في المحصلة هذا يعود للمتابعة، الإعلام يركز اهتمامه في دمشق، لا أريد القول إن هناك إهمالاً للمتابعة الإعلامية في المحافظات، لكنْ هناك نقص فيها، ومع ذلك نحن نتشرف بوجود الإعلام معنا كشريك أساس في العمل الثقافي المسرحي، منذ بدء بروفات أي عمل حتى عرضه أمام المتفرجين.
كثيراً ما يؤخذ على عروض المديرية ارتهانها لمناسبات معينة، وهو ما يكسبها صفة «الاحتفالية» معظم الأحيان، بحيث تبتعد عن كونها تقليداً حياتياً معيشاً، لكن ذلك غير صحيح برأي مدير المسارح فمنذ بداية العام الحالي، قدمت المديرية 35 عرضاً مسرحياً خلال مهرجان الطفل في جميع المحافظات السورية من ضمنها عدة عروض أنتجت خصيصاً له، مع استضافة عرض من لبنان، تلا ذلك مسرحية «زيتون» لـ مأمون الخطيب، تزامن معها «ستاتيكو» لـ جمال شقير، ثم «ضجيج وحنين» لـ معتز ملاطية لي، و«براسكوفيا حرة» لـ فؤاد حسن، حالياً «اختطاف» لـ أيمن زيدان، و«قصة حديقة الحيوان» لـ حسن عكلا، مع الإشارة لعرض «ياسمين أحمر» لـ محمد حلبي في مجمع دمر الثقافي، والذي لم يأخذ حقه إعلامياً، هناك مسرحيات أخرى قيد التحضير لـ «آنا عكاش، غسان مسعود، سمير عثمان الباشا، موسى أسود»، وفي محافظات «اللاذقية، طرطوس، الحسكة، السويداء» قدمت المديرية عروضاً في احتفالية يوم المسرح لكونها مرتبطة بالتاريخ لكن المسرحيات ليست مرهونة بأي مناسبة.
أعداد المسارح القليلة في دمشق، ساهمت في التركيز على المسرحيات المقامة في الحمراء والقباني أكثر من غيرها، من دون أن ننسى أن معظم العروض الكبيرة تقام على خشبتها، ربما كان هذا سبباً في إعطائها قيمة مضافة لناحية التغطية الإعلامية. هنا أيضاً يمتلك جلول وجهة نظر أخرى فعلى حد قوله «لا يمكن تأطير الأمر هكذا، المسألة تتعلق ببرمجة العمل لا أكثر، نحن نعمل على تفعيل مجمع دمر الثقافي علماً أنه غير تابع للمديرية، لدينا مسارح «الحمراء، القباني، العرائس» بدمشق، وبسبب الضغط عليها نستعين بالمجمع، نتأمل أن تكون هناك خطة لإنشاء مسارح جديدة، وهو أمر غير منوط بنا، في بعض المحافظات نستعين بمسارح مديريات الثقافة ولهم الشكر للتعاون معنا».
نوعية العروض التي قُدمت خلال سنوات الحرب، قصة أخرى، فسنوياً يتقدم إلى لجنة القراءة في المديرية ما يقرب من 100 نص مسرحي، ليست كلها لغاية الإنتاج، تختار اللجنة عدداً منها، على اعتبار أنه لا يمكن لها إنتاج كل ما يُقدم إليها كجهة حكومية، ربما يستطيع ذلك آخرون في دول أخرى لديهم شراكة مع القطاع الخاص أما على صعيد النوع، والكلام لـ مدير المسارح «العروض التي تنتجها المديرية لن تكون بالتأكيد على مستوى واحد، لا يوجد مسطرة في الفن لكننا حريصون على النوع، كنا كذلك في مهرجان الطفل واستطعنا إلى حد ما تقديم عروض تليق بالطفل والعائلة، هذا كان تحدياً بالنسبة لنا».
إذاً يمكن القول إن العروض التي أنتجتها المديرية خلال سنوات الحرب هي أفضل ما تم تقديمه إليها أو أفضل ما يمتلكه المسرحيون السوريون؟
يقول جلول: نعم، لكن للأسف معظم ما تم تقديمه من نصوص عن الأزمة كانت سطحية جداً، البعض منها تتفوق عليه نشرة الأخبار في ملامسة الوجع السوري، من وجهة نظري يجب على من يريد الكتابة عما نعيشه، الانتظار إلى أن تتبلور الأمور وتتكشف الحقائق بكل مفرداتها رغم كل ما ظهر حتى اليوم، ما أنتجته المديرية هو أفضل مما قُدم إليها، ولو قُدم الأفضل لأنتجته.
التركيز يمتد إلى الأسماء المعروفة أيضاً، بحيث نادراً ما نسمع عن أسماء جديدة في عالم الكتابة والإخراج المسرحي، وهو ما لا يوافق عليه مدير المسارح، فالعرض المنتهي مؤخراً لـ جمال شقير، كان الأول بالنسبة له.. يتابع: «سنوياً يتعاون معنا خريجون جدد، ولدينا مشروع دعم مسرح الشباب، يفترض أن يستقطب خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية وكل من سبق له تقديم أي تجربة مسرحية لأي جهة كانت، جاء هذا المشروع بعد أن انكفأت جهات عدة عن الإنتاج، بحيث صارت المهمة منوطة بالمديرية وحدها، هناك من ينتج لكن بشكل خجول جداً، أيضاً ندعو الأسماء المعروفة لتكون جزءاً من الموسم المسرحي أمثال «أيمن زيدان، فايز قزق، بسام كوسا، سامر عمران»، نتمنى عودتهم للمسرح كما فعل عدد منهم».
يتمنى جلول تطوير القوانين والأنظمة المتعلقة بعمل المديرية، لتكبر حجماً وكادراً وميزانية، فمن يعرف أعداد الكوادر فيها سيقدر ظروفها، «خسرت خلال الأزمة كوادر على الصعيد الإداري والفني والتقني، هناك من غادر البلد لأسباب خاصة به، البعض انتقل إدارياً إلى مكان يناسب سكنه، هناك نقص في أعداد الفنيين، منهم مثلاً فنيو الصوت والإضاءة الذين دربتهم المديرية حتى اكتسبوا خبرة كافية، هؤلاء ليسوا «عمال كهرباء» كما يظن البعض، خسرنا أيضاً مصممي أزياء وديكور، الأمل متعلق بالخريجين الجدد، رغم إن بعضهم يتجه نحو الدراما، لذلك أسباب عدة منها الوضع المادي، لكن المديرية عاجزة عن منافسة الدراما التلفزيونية بما يخص الأجور، المسرح مختلف عن شركة إنتاج قطاع خاص، لذلك لا نلوم الفنانين، نشكر كل من يعمل معنا لأنه في هذه الظروف يعمل بشكل شبه مجاني»!.
ما سبق يكاد يكون الهم الأكثر إشكالية في عوالم المسرح السوري، فإذا كانت المديرية غير قادرة على رفع أجور الفنانين، كيف يمكن رفد المسرح بكوادر جديدة؟
يجيب مدير المسارح: هذا الأمر ليس ضمن صلاحياتنا، نحن نعمل وفق المخصصات المحددة للمديرية، وضمن المتاح من المخرجين والفرق المسرحية، منها فرق المسرح الراقص «ماهر حمامي، علي حمدان، محمد الحلبي»، في هذا الموسم سيكون هناك كمٌ عددي يفترض أن يفرز نوعاً، نحن نركز على النوعية بالتأكيد لكن الحكم على ذلك لا يعود للجان القراءة والمشاهدة، الحكم للجمهور، مع التذكير أن الإعلام يركز على دمشق أكثر من المحافظات، مسرحا «الحمراء والقباني» لا يختصران المسرح السوري، عملنا يحكي عنا، أتمنى أن يراه الإعلام أيضاً ولا يقتصر الأمر على الجمهور فقط.

print