علي الراعي

«أيها الفتى لا تعبُر
دون أن تحبّني
فأنا ما أزال جميلة هذا الليل
وسترى كم هو خريفي
أكثر دفئاً من ربيع أية امرأة
لأجلك سأحرق الذكريات،                                                                 وأعطيك مزمار ليكاس وزنار ميناسيديكا».
الومضة الشعرية السابقة، المتماثلة مع الكثير من قصائد النثر التي انتشرت بعد النصف الثاني من القرن العشرين بقليل وإلى اليوم، مع ذلك هي ليست لشاعرة أو لشاعر مُعاصر، بل ليست لشاعرٍ من هذا الزمان. تلك الومضة الشعرية التي توحي بانتمائها لنصوص اليوم، هي لشاعرة سورية عتيقة، تُدعى بلتيس عاشت أواخر القرن السادس قبل الميلاد، أي في الزمن السوري الهلنستي، زمن انتشار وتماهي الثقافتين الإغريقية والسورية-الفينيقية، حيث توصف سوريا حينها؛ بأنها كانت مركز إشعاع حضاري كوني، وصلت نتاجات مبدعيها إلى مشارق الدنيا ومغاربها. ومن الجدير ذكره أن أشعار بلتيس قد طبعت في أمريكا عدة مرات بعنوان    Songs of Biltis  وفي عام 1977 تم تصوير فيلم سينمائي في فرنسا عن حياتها بعنوان بلتيس من إخراج دافيد هاملتون كما حملت اسمها مقطوعات موسيقية رائعة.
وليس الشعر؛ هو النتاج الإبداعي الوحيد خلال ذلك الزمان السوري الموغل في القدامة، بل ثمة الكثير من الفلاسفة ومهندسي العمارة واللاهوتيين الذين كانوا نواة للكثير من النتاجات العالمية اليوم، فها هو الباحث عفيف البهنسي يؤكد: لم يكن موقع (أوغاريت) الذي يحوي أول أبجدية في التاريخ هو وحده الذي قدم الاكتشاف الأقدم الذي عرَّفنا على تأثير حضاري سوري واسع النطاق على العالم، بل إن هذا الموقع الأثري قدم لنا ألواحاً أخرى، تحوي أول أغنية في العالم، إذ ترجع إلى عام 1400 ق.م، أي قبل ألف عام من أقدم قطعة موسيقية عرفها الغرب، وهي قطعة أوريستيس المسرحية الموسيقية التي ألفها يوربيدس أعظم شعراء المأساة الإغريقية. ولقد أبانت ألواح رأس الشمرة الموسيقية أنها أساس علم الموسيقا الغربي الذي أقامه فيثاغورث عام 500 ق.م إذ إنها تقوم على السلم السباعي الدياتوني. ولقد أدى هذا الاكتشاف على حد قول الدكتورة كيلمر إلى إحداث تغيير أساس في تحديد عمر وتاريخ الموسيقا الغربية.
وهنا نُذكر بالشعراء السوريين، لنقول إن الشعر السوري، وإن تأثر طويلاً بالشعر العربي في الجزيرة العربية، غير أن إرهاصاته الأولى كانت هنا.
ورغم كثرة المكتشفات التي تؤكد ذلك الإبداع العظيم، غير أن قلة هم الذين التفتوا وبحثوا في تلك النتاجات، منهم على سبيل المثال الدكتور إحسان هندي وكتابه المنارة في هذا الشأن شعراء سوريا في العصر الهيلينستي الصادر عام 2010 الذي تناول فيه عشرة شعراء سوريين، وكذلك كتاب إن كنت سورياً.. سلام للمترجم عادل الديري الذي خصصه للشاعر السوري ميلياغروس الجداري المولود سنة140ق.م, والجملة التي عنون بها كتابه مأخوذة من نص لهذا الشاعر، الذي يبدو من خلال الدراسات التي تمّ تقديها عنه؛ أنه كان الأكثر حظاً بين عشرات الشعراء السوريين الذين طغى عليهم ديوان العرب في مختلف المناهج التعليمية السورية. اتسمت قصيدة هذا الشاعر بنزعة إنسانية، أضفت عليها صبغة عالمية ولاسيما إذا ما عرفنا أن الرجل كان يجيد ثلاثاً من لغات عصره، وهي السورية (الآرامية) والفينيقية واليونانية، ويظهر هذا من خلال شعره، وخاصة من خلال كلمات قصيدة «شاهدة القبر» التي أوصى بكتابتها، الأمر الذي كان وراء النقاد الأوربيين اليوم ليصفوه بـ«رائد المدرسة السورية في الشعر»
«هل علينا أن ننتظر
المصباح
الذي يأمرنا بالنوم؟
فلنشرب الكأس أيها العشاق
فذلك الوقت ليس بعيداً
وسنكون حزانى ومُحبطين
عندما يحين استسلامنا
للنوم الأبدي».
أما لوقيان السميساط (120-180)م، فلم يكن شاعراً فحسب، بل تصفه الأخبار بأنه كان فيلسوفاً ولاهوتياً أيضاً  بأنه ذاع صيته في القرنين الثاني والثالث الميلادي، وفي رصيده الإبداعي، أربعة وثمانون كتاباً نثرياً وكتابان شعريان مسرحيان هما «تراجيديا النقطة» و«القدم الرشيقة».
المشهد الشعري السوري، الذي بقي لزمن طال كثيراً يحتفي بقصيدة الشعر الموزون الذي ولد في الجزيرة العربية قبل الإسلام بمئتي سنة على الأقل سواء في مناهجنا التعليمية أو حتى في الإصدارات الشعرية، ومن ثمّ تمّ تغييب الشعر السوري الأقدم من ذلك الشعر الإيقاعي، هنا يخطر في ذهني أكثر من سؤال: هل وعى الشاعر السوري اليوم شخصيته الثقافية، ومن ثم أتى بنصٍّ يُغاير مشهد القصيدة العربية بشكلٍ عام؟ يُجيب الشاعر محمد عيسى: بشكلٍ عام، لا، لم يعِ شخصيته السورية بعد، وحتى الآن لم يأتِ بنص مغاير إلا عند البعض القليل. فالنص الشعري الحديث مازال يُكتب كما كانت تكتب القصيدة الخليلية من حيث وحدة الموضوع، أو وحدة القصيدة، كما هنالك وحدة البيت، أيضاً هنا وحدة السطر ولا رابط بينهما. هذا سبب بتقدير عيسى؛ في استمرارنا بعدم الاهتمام بفكرة القصيدة، قد نجد بعض النصوص التي لها شأن في الثقافة السورية وتتمفصل عن المشترك العربي، وخاصة في هذه المرحلة. ولكن أسأل هنا، هل أتت كتطور طبيعي، أم ردة فعل على ما يجري؟. المشكلة سببها الانتماء المابعد وطني، عوضاً عن الانتماء الوطني. فالثقافة السلفية الدينية لا تقبل معها أو إلى جانبها هوية الآخر. وبما أن الثقافة السلفية الدينية أصبحت منتشرة وطاغية بالمعنى المعرفي، فمن البدهي أن نخرج من جلدنا، ونطمس هويتنا لمصلحة المشترك المابعد وطني.
وهنا نُشير إلى الالتباس بين الحضارتين الهيللينية والهيلينستية، فالأولى هي الحضارة اليونانية التي ازدهرت خلال الألفين الأول والثاني قبل الميلاد، في المدن اليونانية وأما الهيلينستية فهي اليونانية نفسها بعد امتزاجها بالحضارات الشرقية القديمة، من سورية وبابلية ومصرية.
وأخيراً نختم بهذا الغزل لملياغروس:‏
«الكأس ابتسمت بنعومة‏
لأنها مسَّت ـ كما قالت ـ فم الحسناء زينو فيلا‏
كم هي محظوظة في ذلك!‏
آه لو تضع شفتيها على شفتيّ‏
وتشرب في عبّةٍ واحدة‏
روحي بكاملها!.‏»

print