د. رحيم هادي الشمخي

الشفاهية في الشعر ليست ما تناقلته الألسن ولم يتم تدوينه، إنما هي تلك الجمل المكررة عند شعراءٍ سابقين، ولايزال كثيرٌ من الشعراء يضمِّنونها قصائدهم وإن حاولوا إحداث تغييراتٍ طفيفة، هي الجمل الموسيقية أو التراكيب التي تم استهلاكها لكثرة ظهورها في قصائد الشعراء.
الشفاهية في الشعر، لم ينجُ منها شاعرٌ قط، وما يميِّز شاعراً عن شاعر هو قلة استعمال المفردات والجمل الموسيقية والتراكيب اللغوية الشعرية التي تحوَّلت إلى شفاهيةٍ نتيجة كثرة استعمالها، وابتكار جُملٍ خاصةٍ له وأسلوبٍ شعريٍّ متفرِّد، كل جملةٍ شعريةٍ أو موسيقيةٍ، يستخدمها شاعرٌ مثابرٌ ومنفرد، تتحوَّل على يديه أولاً إلى شفاهية، لكثرة ترددها، وهو ما يعرف بخصوصية الأسلوب، مما يجد له مسوغاً عند النقاد والقُرَّاء على السَّواء، ومن ثم تتحول على يد جوقات الشعراء إلى لبان يلوكونه في قصائدهم، فهي تدخل ضمن الشفاهية، لتحوِّلها إلى نسقٍ شعريٍّ تستسيغه الذائقة العامة للنخبة، ولاعتياد الأذن عليها، واستهلالها، لهذا يقع الشعراء ضحيتها، بل شعراء مكرسون أحياناً.
شعراء فاضحون
ويعدُّ نزار قباني، ومظفر النواب ومحمود درويش، من أكثر شعراء العربية فضحاً لمقلِّديهم، لما تميز به أسلوبهم من خصوصيةٍ ماكرة، تغرف من الشفاهي بطرائق خلاقة مع ابتكارات تأنس بها الأذن العربية، لموسيقاها المغرية للذائقة، ومكرها الذي يوحي بأحد الأمرين، إما السهل الممتنع وإما فخامة الجملة وبلاغتها، فيتم تقليدهم، ويفتضح المقلِّدون بسهولة، أما الشاعر محمود درويش فيعدُّ أكثرهم حضوراً في فضحه لمقلِّديه، فهو ذو خطابٍ بلاغيٍّ عالٍ، يغرف من التراث ومهيمناته، لكنه في أحاسيس كثيرة تعامل مع خطابه المُحبَّب للذائقة العربية الثقيلة بوعيٍ كان ينمو بمرور الزمن، فكلما ازداد تجربةً ارتفع منسوب وعيه وخبرته، فكان الزمن، يأتي نتاجه المتأخر أكثر وعياً بالحداثة والإبداع، وتخلَّص من الشفاهية. لكن ماذا عن الشعراء المتفردين الذين يكون التناص معهم والتأثر بهم وربما حتى تقليدهم لا يفتضح أمره على نطاقٍ واسعٍ، إما لغموض أساليبهم وإما لعدم جماهيريتهم مثلما عليه نزار قباني ومحمود درويش؟ هؤلاء يغرف كثيرٌ من الشعراء من منجزهم وقد يجد كثيرٌ من القرَّاء صعوبةً في كشف هذا التناص أو معرفة التأثر أو تفكيك التقليد، لكن ذوي التخصص ومن يملكون حساسيةً عاليةً في الشعر، نتيجة ثقافةٍ واسعةٍ وعميقةٍ مستمرة، يلتقطون هذا التناص أو التأثر ولو كان بسيطاً، فكيف بالتأثر؟.
التقليعات الشعرية
مثلما ثمة حداثة وتطور للملابس وقصات الشِّعر، وغير ذلك من متطلبات الزينة والكماليات، كذلك ثمة تطورٌ في الأدب والفنون ومنها الشعر، ويتضح هذا من تكرار جملٍ ومواضيع ومفردات وصياغات بعينها، حتى تطغى على المشهد لسنوات وربما لعقود أو أكثر، هل هؤلاء شعراء؟.
نعم لا غبار على ذلك، إنما الفرق بينهم وبين المميَّزين المتفرِّدين في نسبة الشفاهي في شعرهم، هذا الشفاهي الذي لم ينج منه شاعرٌ قط مثلما نوَّهت أعلاه، ونسبة الجمل والصياغات والصور الشعرية المتحدثة وأصالتها عند المتفرِّدين أكثر مما هي عند بقية الشعراء، وهؤلاء البقية تتفاوت نسب الشفاهي في منجزهم الشعري، مثلما تتفاوت نسب ابتكاراتهم الشعرية.
إن التناقضات جزءٌ من المنظومة الشفاهية، مثل أن يذكر الشاعر الليل وبعده النهار، أو الأبيض وبعده الأسود، أو الأب ثم الأم، والصيف والشتاء والربيع والخريف، والمطر والجفاف، وهكذا تستمرُّ دورة التناقضات التي لا ينكر أن هناك من خلق منها دهشةً، لكنها جزءٌ من الشفاهية، إذاً الشفاهية في الشعر حالةٌ واقعيةٌ لا مناص منها، مرفوضةٌ حين تتحوَّل إلى نسقٍ، ومقبولةٌ حين يتم تنويرها عند الشاعر، لا يمسكها التوقع.

print