سمير طحان

لا تخفى على أحد حالة الفوضى والأحادية التي تسيطر على ساحة الصناعة الدرامية حالياً التي أفرزتها مناخات الحرب منذ ست سنوات، فبعد مغادرة عدة شركات إنتاج للعمل في الخارج لعدة أسباب منها البحث عن مناخ آمن يمكن العمل فيه بعيداً عن مخاطر القذائف والتفجيرات الإرهابية، أو سعياً منها لكسب رضا القنوات الفضائية الشارية لأعمالها، تقلص عدد الشركات الفاعلة في صناعة الدراما السورية وراح بعضها يتجه لدبلجة الأعمال الدرامية المستوردة من كل أصقاع الأرض، كما أدت هذه الحالة لظهور أشباه شركات إنتاج بميزانيات متواضعة تقتات على أعمال ممسوخة يقوم عليها هواة أو كوادر غير كفوءة أو أعمال مركبة ومسيئة بتدنيها الأخلاقي ولا تشبه المجتمع السوري على تنوعه الغني الذي يميزه ويجعله ملهماً لمئات الأعمال الدرامية، ما أنتج كماً من الأعمال الهزيلة التي تتكاثر مع كل عام وترسخ حالة إنتاجية مسيئة لتاريخ عريق تمتاز به الدراما السورية، والأنكى من ذلك أن هذه الأعمال باتت تمثل الدراما السورية في المحافل الفنية العربية وأحيانا العالمية، وربما تنال الجوائز بطريقة أو بأخرى، فهل هذا مرض لصناع الدراما الحقيقيين والغيورين عليها وللجمهور المحب لهذه الدراما، وهل يكفي اليوم أن نتغنى بكمّ الأعمال المنتجة في كل موسم درامي، وإن كان الجيد منها لا يتعدى أصابع اليد الواحدة?.
قضية تأجيل إنتاج مسلسل «فوضى» (تأليف حسن سامي يوسف ونجيب نصير، على أن يخرجه الليث حجو) من قبل شركة سما الفن، لاتزال طازجة وهي مثال عن حالة التخبط الإنتاجي وغياب الرؤية الواضحة، وحالة الفوضى هذه لا تتجلى بالقرارات الاعتباطية من كبرى شركات الإنتاج فحسب بل تتعداها لما يسمى المضاربة بين أصحاب الكار الواحد، بعد أن كان التنافس الجاد هو ما تشتهر به شركات الإنتاج السورية، حيث بتنا نشاهد في السنوات الأخيرة أعمالاً متشابهة ومستنسخة عن بعضها في القصة والشخصيات والشكل وحتى الأسماء، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهل هذا دليل صحة ودراية? أم تخبط وعشوائية وفوضى?.
يكاد يجمع العاملون في ميدان الدراما السورية اليوم على أن الدراما في تأرجح غير مضمون النتائج مع كل موسم جديد ونجاحاتها مرهونة دوماً برهانات إدارات شركات الإنتاج التي تعمل على مبدأين «أنا ومن بعدي الطوفان» و«عيشني اليوم وموّتني بكرا»، إضافة لتذمّر واضح من قبل الفنانين والفنيين بشأن الطريقة التي تدار بها مسائل الأجور وتفاوتها بين شركة وأخرى، حيث يخضع هذا الموضوع لاعتبارات بعيدة عن أي قانون واضح أو عرف منصف على أقل تقدير، فمن بقي في البلد وارتضى أن يعمل بما هو موجود من الأعمال، سواء لقناعة شخصية أو لعدم وجود فرصة في الخارج، فهو بالتأكيد ليس راضياً عن الحالة التي تسير بها الأمور، باستثناء النجوم الذين تباع الأعمال لمجرد وجود أسمائهم فيها، فهم الوحيدون الذين يفرضون شروطهم في هذه العملية الإنتاجية العبثية.
في خضم دوران عجلة الدراما تارة وتلكئها، لا نجد بنية مؤسساتية حقيقية أو إطاراً ناظماً يعمل على توحيد الجهود الإنتاجية، وتقود البوصلة نحو التطور والازدهار المطلوبين بعد عشرات السنين من التراكم الإنتاجي للدراما السورية، ورغم مطالبتنا لسنوات بإيجاد حلول تنظيمية قادرة على وضع الصناعة الدرامية على سكة التطور التراكمي المخطط والمدروس، لكن لا أحد يبدو معنياً بهذا الموضوع حتى اليوم، فغرفة صناعة السينما والتلفزيون لا تعدو مهمتها أكثر من إجازة النص للإنتاج، ونقابة الفنانين معنية بجمع الاشتراكات من الفنانين فقط وليس لها دور في تشغيل الفنانين أو الحفاظ على حقوقهم المادية والمعنوية لدى شركات الإنتاج، في الوقت الذي تعمل فيه كل الشركات كأنها جزر منعزلة عن محيطها، والكل غارق في همومه تاركين الدراما لقدرها المحتوم، وحدها مؤسسة التلفزيون السوري تدعم ما تنتجه الشركات بشرائه وعرضه عبر قنواتها، وهذا بالطبع جاء تلبية لالتزام الدولة بدعم الدراما بكل الوسائل المتاحة كصناعة وطنية مهمة.

print