نضال بشارة

على الرغم من الزخم المعرفي الذي اكتنزته محاضرة الدكتورة سمر الديوب «جدل الثنائيات الضدية في الفكر والأدب» التي ألقتها مؤخراً في المكتب الفرعي لاتحاد الكتاب العرب، إلاّ أننا كمتلقين لم نمل ونحن نصغي، ولاسيما أنها أحسنت الارتجال والعودة إلى ما بين يديها من أوراق.. يذكر هنا أن سمر نالت مؤخراً الجائزة التشجيعية من وزارة الثقافة.
وقد انطلقت المحاضرة من فكرة أن إيقاع الكون مبني على الثنائيات الضدية، وأن هذا يتجلى في نواحي الحياة المختلفة العلمية والفكرية والنقدية والأدبية، ومضت لتقديم التعريف بمصطلح الثنائيات الضدية، فقالت استناداً إلى بعض المراجع:
يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي من جهة عمقه، وأبعاده الفلسفية والعلمية، فقد عرّفها المعجم الفلسفي بأنها «الثنائي» من الأشياء ما كان ذا شقين، والثنائية هي القول بزوجية المبادئ المفسّرة للكون، كثنائية الأضداد وتعاقبها، أو ثنائية الواحد والمادة- من جهة ماهية مبدأ عدم التعيين- أو ثنائية الواحد وغير المتناهي عند الفيثاغورثيين أو ثنائية عالم المثل وعالم المحسوسات عند أفلاطون.. الخ، والثنائية مرادفة للاثنينية، وهي كون الطبيعة ذات مبدأين، ويقابلها كون الطبيعة ذات مبدأ واحد، أو عدة مبادئ (الثنوية والاثنينية).. ثم انتقلت للحديث عن علاقة «جدل الثنائيات الضدية» بالمصطلحات المتداخلة معه، والمصطلحات المتعارضة معه، وتوقفت عند حضور هذا المصطلح في العلوم الرياضية والفيزيائية والكيميائية، وفي علم الطاقة، وتحدثت عن نظرية الأبعاد ووجدت أن بعدنا -البعد الثالث- محكوم بمبدأ الثنائيات الضدية، كما تناولت المُحاضِرة حضور هذا المصطلح في الفلسفات القديمة كالفلسفة الصينية وثنائية الين واليانغ. ورصدت جملة من الثنائيات نهضت عليها الأسطورة كثنائيات: الآلهة/ الإنسان، الخير/ الشر، الخصب/ الجفاف، النور/ الظلام. كما توقفت عند الثنائيات الضدية في فكر الفلاسفة العرب والمسلمين، فدرست ثنائية المدينة الفاضلة ومضاداتها لدى الفارابي، وثنائية نفس وجسد لدى ابن سينا وثنائية عقل ونقل لدى ابن رشد. وأشارت إلى بعض المدارس النقدية وبينت بناءها على التضاد ولاسيما المدرسة البنيوية، والمدرسة التفكيكية. وعن الثنائيات الضدية في الفكر العربي القديم تقول المحاضرة:
يعدّ الجاحظ من أوائل الذي التفتوا إلى قانون الثنائية الضدية في الثقافة العربية على أنه قانون الحياة الجوهري، ويعدّ كتابه «المحاسن والأضداد» مثالاً على اجتماع الفكرة وضدها في فكره، إذ يقنع المتلقي بمحاسن فكرة ما، ثم يأتي بضدّها، فيوصله إلى مرحلة الاقتناع بخلاف الفكرة السابقة، فتكلم على محاسن الكتابة وضدها، ومحاسن الصدق وضده، ومحاسن الوفاء وضده، ومحاسن حب الوطن وضده، ومحاسن الجواري والمطلقات وضده.
والمحطة الأخيرة في المحاضرة عن الثنائيات الضدية في القصة القصيرة جداً، التي كانت محطة تطبيقية تشير إلى أن هذا الفن يقوم على التوازن بين الثنائيات الضدية، ففيها الإيجاز، وعمق المعنى، والحلم، والواقع، ولذلك حاولت رصد جملة من الثنائيات في بعض إبداعات قاصات وقاصين من أكثر من قطر عربي: نص/ نص موازٍ، جسد النص/ القفلة، الرؤية/ الرؤيا، الشعري/ السردي، الاقتصاد اللغوي/ العمق المعنوي. وبالتطبيق الذي فعلته سمر قدمت لنا جماليات النصوص التي قاربتها، كما لم يقارب نصوص هذا الفن – في زعمنا – ناقد قبلها. ولعلها تحتفي بهذا الفن في كتاب، بما أنها توقفت مع نماذج إبداعية موفقة، يسترشد به كل قاص يود خوض الكتابة في هذا النمط، ولاسيما أن معظم ما يكتب ضعيف ولا يرقى لتسميته فناً.

print