سهى الحناوي
بالكاد تستطيع حمل طفلها الصغير الذي يعاني من البدانة الزائدة، وباتت تجد صعوبة في إيجاد الملابس المناسبة له، وطبعاً معاناة «لينا أبو الفضل» لا تختلف عن معاناة الكثير من الأمهات اللواتي فقدن السيطرة والقدرة على تنظيم وضبط وزن أبنائهن، وبدأن رحلة البحث عن علاج فعال لمرض السمنة الذي دهم حياة أطفالهن في سن مبكرة، وما يثير الاستغراب استمرارهن في تقديم الوجبات والأطعمة الجاهزة التي تعد من المسببات الأولى لهذا المرض المتزايد في كافة المراحل العمرية.
يجهل الكثير منا المعنى الحقيقي لبدانة الأطفال ومتى يمكن القول إن طفلنا أصيب بداء العصر وهذه الصفة المرضية تعني زيادة شحمية تتشكّل عند الطفل بزيادة 20% تقريباً، بحيث يختلف عن الطفل الطبيعي، أي إن الكيلو الزائد في جسم الطفل يشكّل خطراً على جسمه، حيث تلعب عدة عوامل مثل: (العمر- الطول- البنية) دوراً في عملية التراكم الشحمي، وهو ما يخشى منه في مثل تلك الحالة لتأثيراته في الطول، وفي الناحية الجمالية، حيث تظهر التشققات في الجلد، ويمكن الاستدلال على بداية ظهور المرض بزيادة الطلب على الطعام، إضافة إلى ميل الطفل إلى الكسل والخمول.
وعن أسباب البدانة تحدثت اختصاصية التغذية زينة الدبيسي بأن مرض البدانة قد يكون منشؤه وراثياً، فهناك جينات يمكن أن يتوارثها الابن عن الأب أو الجد، وفي هذه الحالة يكون التغلب على المرض سهلاً بحيث نلجأ للوقاية منه مسبقاً عبر نظام غذائي متوازن، والتقليل من الأغذية التي تحتوي سعرات حرارية عالية، وممارسة الرياضة بشكل دائم.
وقد يكون المنشأ مرضياً، كالإصابة بقصور في الغدة الدرقية فتختل وظيفة حرق الشحوم، وتسبب البدانة، لذلك يطلب الأطباء في البداية من الطفل الذي يعاني من البدانة تحليل الغدة الدرقية، كما تلعب العوامل النفسية دوراً في الإصابة بالمرض، حيث يعاني الكثير من الأطفال من الكآبة في المنزل، وعدم اهتمام الأهل برغباتهم، وتلبية حاجاتهم، فيتم صب انفعالاتهم بالطعام، إضافة إلى تأخر الأم عن تقديم وجبات الطعام في مواعيدها المحددة، فيلجأ الطفل إلى أي شيء يشبع حاجته كالبسكويت، وقطع الشوكولا التي من شأنها أن ترفع له السكريات، عدا عن العوامل الاجتماعية كقلة الحركة، وعدم ممارسة الرياضة، حيث كان الأطفال سابقاً يلعبون في الحي مع أبناء الجيران، ويذهبون للحدائق، ولكن ذلك تبدل اليوم، فالظروف الأمنية من جهة لا تتيح المجال للخروج خارج المنزل، ومن جهة أخرى خطف الانترنت وألعاب الكمبيوتر وأجهزة المحمول الذكية اهتمام الأطفال، وباتوا يجلسون ساعات طويلة للتسلية بتلك الوسائل، فأصبح الطفل جليس المنزل، وكذلك الدلال الزائد من قبل الوالدين، وسعيهم لإرضاء طفلهم، وتلبية متطلباته، من دون الانتباه إلى خطورة الاستجابة الدائمة للطفل، وتجنب قول كلمة لا له خوفاً من بكائه أو تمرده، وتهرباً من المسؤولية، كما تؤثر قلة ساعات النوم في ذكاء الطفل، والاستقلاب، فالتخلص من البدانة ومعالجتها غاية في الأهمية لتأثيراتها السلبية في الجسم، فهي تؤدي إلى الإصابة بعدة أمراض مثل مرض السكر الطفولي والمشكلات القلبية والشحوم الثلاثية، كما لها آثار نفسية ولاسيما سخرية رفاق المدرسة فتؤدي بالطفل البدين للكآبة وقلة الثقة بالنفس.
ورغم معرفتنا بالأضرار الصحية للوجبات الجاهزة والأمراض المختلفة التي تسببها، إلا أن الأهل يفشلون في الكثير من الأحيان في إقناع أطفالهم بعدم تناولها بعد أن أدمنوا عليها، وأصبحت جزءاً أساسياً في نظامهم الغذائي، وبحسب الاختصاصية الدبيسي فإن الأطفال يميلون إلى الأطعمة المقلية والمالحة وهذا ما ضاعف مخاطرها، بدءاً من السمنة المفرطة، وصولاً إلى الوفاة عند الإدمان عليها، حيث تؤكد الدراسات أن الوجبات الجاهزة تحتوي على مواد كيميائية تضر بصحة الجسم حيث تتسلّل هذه المواد إلى المعدة، وهناك تحذيرات كثيرة من تأثيراتها في صحة ونمو البشر، ووفق العديد من الدراسات فإن الوجبات السريعة تصيب الأفراد وخصوصاً الأطفال بأمراض نفسية كالخجل والإحباط، كذلك الإدمان عليها يعمل على زيادة قسوة القلب، ونتيجة لذلك يضطرب معدل السكر في الجسم ويتصرف الإنسان بسلوكيات غير مرضية كسرعة الغضب والانفعال والحزن والاكتئاب، والتصرف بسلوكيات عنيفة وعدوانية.
من الضروري مراجعة الكثير من العادات المكتسبة لدى أطفالنا، والابتعاد عن الدلال الزائد، والامتناع عن الاستجابة لجميع طلباتهم، حتى لو تمردوا على أوامرنا، إلا أنهم في النهاية سينصاعون ويفهمون أسباب منعهم من تناول الطعام غير الصحي، والأهم من ذلك مراجعة أنفسنا وعاداتنا السيئة في التعامل مع أطفالنا، فلا نميز طفلاً عن آخر، ولا نحدث مقارنة بين طفل بدين وطفل عادي، فعلى العائلة بأكملها التعاون على تخليص الطفل من هذا الداء.

print