سراب علي
أخبار من هنا.. ومعلومات من هناك.. ونصائح تربوية.. وعروض تجارية.. تتسابق على نشرها المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها «الفيس بوك»، حيث يعمد أصحاب المواقع والصفحات على تحديث الأخبار والمعلومات بشكل يومي وآني، وفي المقلب الآخر يندفع الكثير من المتابعين والمستخدمين لترقب تلك الصفحات بشغف للحصول على آخر الأخبار ومتابعة تفاصيلها، غير متأكدين من مصداقيتها، وربما غير مهتمين بمصدرها رغم أن الكثير من تلك الصفحات غير معروفة المصدر، ورغم ذلك حازت تلك الصفحات متابعة واهتمام الكثير من فئات المجتمع، ليعيشوا بذلك حياة اجتماعية وثقافية وسياسية افتراضية بامتياز، هنا لابد من تسليط الضوء على هذه الحياة وكيف يعيشها الكثيرون.

إيجاد طرق فنية
الحاجة أساس التطوير كما يقول المهندس علي الدبس المراقب لبعض مواقع التواصل الاجتماعي الثقافية والتجارية، وتلك الحاجة أدت إلى إنشاء مجتمعات افتراضية ضمن المواقع الإلكترونية سميت بشبكات أو مواقع التواصل الاجتماعي، تلك المجتمعات أمنت التواصل اللحظي بين المستخدمين، وسهلت البحث عن المعلومات والأشخاص وبناء علاقات جديدة اجتماعية أو عملية، وعلى صعيد السنوات الماضية في بلدنا أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي حاجة ملحة للمواطن، وظهرت بشكل ملحوظ سلبياتها وإيجابياتها.
وترى المهندسة المدنية والاختصاصية التربوية عبير عمران أنه لابد من الاهتمام بطرق فنية للتعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي كوسائل إعلامية والإحساس بمسؤولية الكلمة، وما يمكن أن تسببه من آثار سلبية، والتأني في التعامل مع أي معلومة أو خبر تنشره مواقع التواصل الاجتماعي التي ليست تابعة لأي جهة رسمية، وتقول: لابد من ذكر مفهوم طريقة الاستخدام الإيجابي لـ«الفيس بوك» مثلها كمثل كل التقنيات والأجهزة المطروحة كالتلفزيون وغيره.. وتضيف: باستخدامنا الصحيح نستطيع أن نجعل «الفيس بوك» بحق وسيلة جميلة للتواصل الاجتماعي ومنبراً مهماً يصدر معلومات ويعتلي منصاته الكثير من الموهوبين والمفكرين الذين تحول كثر منهم إلى قادة رأي مؤثرين بفكرهم وأقلامهم إلى حد كبير في مجتمعاتهم.
الواقع الافتراضي الإعلامي والسياسي الذي نعيشه مع هذه المواقع يشير إليه الدبس بقوله: مع بداية الأزمة تم بث ونشر أخبار ومعلومات تحريضية استهدفت فئات المجتمع، كانت الغاية منها التأثير في أفكار المستخدمين وتالياً على الرأي العام، وتم إنتاج سيناريوهات أخبار ومعلومات حسب وجهة نظر وغاية المنشأ، فأثرت في أفكار المجتمع، وضللت البعض وشوهت الحقيقة وأضعفت الروح المعنوية، وفي المقابل قامت مجموعة من الشباب السوريين بالرد على تلك المواقع والشبكات وتبيان الحقائق ورفع المعنويات، وأحيانا إغلاق أو تعطيل تلك المصادر واختراقها.. تلك الحرب بالمعلومات أدت لفصل المجتمع من ناحية تصديق الشخص للمعلومة المعروضة، وتبيان كل طرف لصدق أو كذب تلك المعلومة.
تحقيق غاياتها
ويتابع الدبس: في حين كان هناك توجه من قبل الفعاليات الاقتصادية بكل فئاتها (صغيرة أو كبيرة أو فردية أو شخصية) لإنشاء منابر لتوصيل خدماتها لزبائنها الموجودين أو المحتملين وتقديم المعلومات وعرض السلع، فمثلاً بعض الأطباء يقدمون النصائح الطبية لمتابعيهم على صفحاتهم ما يزيد شعبية الطبيب وتالياً حاجة المتابعين لخدمات أكثر فتصبح مأجورة.. بعض شركات ومحال الألبسة تعرض منتجاتها وأسعارها، ويقوم أشخاص بعرض منازلهم أو سياراتهم للبيع، ويتم التفاوض والبيع من دون الحاجة لوسيط، وصلت حالياً قيمة المبادلات التجارية والخدمية على صفحات التواصل الاجتماعي في سورية لمئات الملايين من الليرات.
وأضافت عمران: إن استخدام البعض وسائل التواصل لنشر معلومات طبية أو تربوية ربما قد يحقق الكثير من الإثراء المعرفي للمتلقين المهتمين بما يخص تعاملهم مع أطفالهم، وتجد الكثير من الأمهات وقد شاركن في الكثير من الصفحات التي تغذي اهتمامها وأمومتها وحاجتها للمعرفة في هذا المجال، ولا ضير في ذلك مع الانتباه لمصدر نشر المعلومة وجهة توثيقها للمصدر الذي أوردها، أو على الأقل مصداقية أصحاب الصفحات ومدى علاقة اختصاصهم بالموضوع المطروح، مؤكدة أن حالة التثقيف التي تحققها هذه الصفحات مهمة جداً لكنها لا تغني أبداً عن زيارة الاختصاصي وخصوصاً في حال وجود تطور للحالة التي يهتم بها المتلقي، وربما تغني الصفحات معلومات الأم لكنها غير كافية.
ولأن مواقع التواصل الاجتماعي تستطيع إخفاء شخصية المستخدم يحذر الدبس من إدعاءات البعض وانتحال صفات علمية أو تجارية ونشر معلومات غير صحيحة، فمثلاً يدعي البعض أنهم مركز علمي ويقومون بعرض شهادات خبرة مزورة على صفحاتهم، ويروجون لمنتجات غير مفيدة لذلك نؤكد على متابعة الفعاليات والهيئات المعروفة والموثوقة فقط.
ليس كل ما ينشر صحيحاً
ويضيف الدبس: الكثير من الهيئات (الجامعات والمراكز العلمية والهيئات الثقافية وحتى التعليم الشخصي) أنشأت مواقع وصفحات لها ضمن شبكات التواصل الاجتماعي، لتقدم خدماتها العلمية أو الإدارية لمتابعيها وطلابها مجاناً، وتعدى ذلك لإنشاء مجموعات تعليم ذاتية تقدم التعلم المباشر والمجاني لمتابعيها، فمثلاً توجد صفحات على «الفيس بوك» تقوم بتعليم اللغات الإنكليزية والروسية بشكل مبسط وتؤمن التفاعل والتواصل بين المتابعين، كما تعرض الهيئات الثقافية مقالاتها وتتيح الحوار الحقيقي بين المتابعين، لكن هذا لا يعني أن كل ما ينشر صحيح وحتى بعض الهيئات توجه معلوماتها لغايات، فأحياناً تكون صحيحة وأحيانا أخرى غير صحيحة هدفها تغيير الحقائق وخلق معلومات جديدة زائفة يبنى عليها لتصبح مصادر حقيقية للمتابع، فمثلاً قام الجيش السوري الإلكتروني بإغلاق وتهكير عدة صفحات تعلّم اللغة العربية تعرض التاريخ العربي بشكل مغلوط أثر في وعي بعض أفراد المجتمع.
الترفيه والتسلية
يقول الدبس: أمنت شبكات التواصل الاجتماعي الترفيه والتسلية للمستخدمين وبنت علاقات بينهم، وتطورت من التواصل الافتراضي إلى التواصل الحقيقي وأمنت العمل وحتى الاقتران بشريك الحياة وكما في الحياة الواقعية يوجد أشخاص زائفون كذلك في المجتمع الافتراضي.
ويتابع: بسبب سهولة الاستخدام وتحقيق الخصوصية قد ينتحل أشخاص شخصيات أخرى أو يتقمصون حالات بعيدة عن واقعهم بسبب حالتهم النفسية أو المجتمعية، وتالياً أضرت بالكثير من العلاقات وأثرت في المستخدمين وأدمن البعض تلك العلاقات الافتراضية بحجة التسلية وعدم معرفة الشخص الآخر به وفي اعتقاده أنه لا يوجد فيها ضرر جسدي أو معنوي مع العلم أن ضررها مضاعف أكثر، وتالياً انتشرت حالات اجتماعية بنيت على عدم الوضوح والكذب بين الأفراد، وأدى ذلك لعدم قدرتنا على مخاطبة الآخرين بشكل واقعي والاعتماد على الافتراضي، وعلى صعيد الأسرة أصبح البعض أسير تلك الأدوات بحجة التسلية، وابتعدت الأسرة فيما بينها عن التواصل الحقيقي هروباً من واقعها.
نشر الشائعات
وأشارت عمران إلى ضرورة الإحساس بمسؤولية الكلمة، وما يمكن أن يسببه نشرها من آثار سلبية، يحتم علينا الالتزام بالتأني في التعامل مع أي خبر تنشره مواقع التواصل، وخصوصاً تلك التي ليست لها تبعية رسمية أو موثقة المصدر، لأن سهولة إنتاج ونشر وإعادة نشر المعلومات ومشاركتها بطرق سهلة وغير مكلفة وفي فترة وجيزة على صفحات التواصل الاجتماعي شيء مغرٍ للكثيرين، وفي الوقت ذاته يعد سبباً مساعداً في انتشار الشائعات والمعلومات الخاطئة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كذلك تساهم في جعل قدرة التحكم بالمحتوى الإلكتروني ضعيفة، إضافة إلى صعوبة مراقبة المحتوى الذي يتم نشره من قبل الصحفيين عكس واقع الحال في الصحافة التقليدية، وهذا ما يجعل العديد من الجهات تستثمر هذه المواقع بغرض نشر شائعات، وأخبار عارية من الصحة عندما يكون لديهم هدف محدد من نشر هذه الأخبار بحسب نوع الخبر والمجال الذي يندرج ضمن إطاره، وأحيانا هناك شائعات تنتشر بشكل عفوي وغير مقصود بسبب التسرع في نشر الأخبار من دون التحقق من مصادرها الأصلية أو عن طريق تحريف الكلام الصادر عن المصدر الأصلي نتيجة اقتباس أو تجزئة في المعنى.

print