حماة- مختار سلهب

يبدو أن هناك من يستهين بأهمية الكهرباء في الحياة اليومية للمجتمع السوري بكل مكوناته البشرية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والفنية والثقافية ومن كل جانب، حتى في السلوك الفردي والأزمات النفسية ولاسيما في ظل غياب عدالة التوزيع والتصريحات الجوفاء الخالية من المصداقية والممارسات الرعناء من قبل بعض المتنفذين وأصحاب القرار حتى في أدنى المستويات.

انقطاعات الكهرباء
تلقى مكتب صحيفة تشرين في حماة اتصالات ومراجعات عديدة ويومية من مواطنين وعاملين في جهات رسمية، ولاسيما في الأشهر الماضية تتعلق بواقع الكهرباء المزري الذي وصلت إليه محافظة حماة، ولاسيما في المدينة وريفها الشرقي وبعض الريف الغربي والشمالي، ومن بين المراجعين الدكتور عبدالله والمهندس مرهف والصيدلي منار والمدرسون نبيل وسديف وماجد والمزارعون عبد الهادي وسليم ومنذر والمعلمات هوازن وغيداء ومها وريم…إلخ، وهم من أهالي مدينة حماة وعدة قرى في ريف المحافظة يشكون واقع الكهرباء الذي صار بلا جدوى وعدمه أفضل من وجوده -حسب زعمهم- فبعد تدني فترات التقنين للتيار الكهربائي إلى ما دون 45 دقيقة تزويد يقابلها 5.45 ساعات قطع أو أكثر، أصبحت تلك الفترة الضئيلة غير منتظمة وفيها تقطيع متواصل للكهرباء وعدم انتظام في القدرة، فتارة يكون وحسب المنظّمات والمقاييس دون 160 واطاً، وتارة ينخفض، أو يعلو، ومرة يبقى موصولاً لخمس دقائق وينقطع ربع ساعة ويعود الوصل مدة عشرين دقيقة وقد تتقلص إلى 3 دقائق، وهكذا، ولا تكاد تضع ربة المنزل المكواة حتى يحصل الانقطاع، والفرن أصبح من المنسيات لعدم تمكن أي أسرة من إنضاج أي طبخة أو طعام يحتاج 30 دقيقة متواصلة من التيار، والغسالات أصبحت من رواد محلات الصيانة الدائمين، تتبعها البرادات والخلاطات وبقية الأدوات المنزلية الكهربائية والإلكترونية التي قد يعدها البعض كمالية، لكنها ضرورية جداً للمرضى والأطفال في ظل انعدام الشروط الصحية لحفظ الطعام وخروج البرادات من الخدمة وتحولها إلى خزانات لإفساد الطعام وليس حفظه، كما أجمع الشاكون أن الإرهاق الذي تتحمله الأسرة السورية بسبب الكهرباء يقدر بأضعاف قدرتها المادية على مواصلة الحياة الكريمة، ولاسيما لذوي الدخل المحدود، ومن بينهم شهداء وجرحى خاضوا المعارك ضد الإرهابيين، وهناك العمال والكادحون والفقراء الذين لا استطاعة لهم لشراء المولدات التي ينعم المسؤولون بتشغيلها والاستمتاع بنعيمها من تدفئة وتكييف وإضاءة ومشاهدة التلفاز والترفيه…إلخ- حسبما قالوا- على حسابنا نحن البسطاء ومن خير بلدنا الذي نشكّل قاعدته الصامدة وزنودنا تزرع وتحصد وتُنتج في المعامل والمصانع.
توقف المصارف
وبناء على طلب الشاكين الذين استاؤوا من الازدحام وتأخر إنجاز المعاملات ومنح القروض المصرفية بسبب انقطاع الكهرباء وتعطل المولدات قامت «تشرين» بجولة على عدد من فروع المصارف العاملة في محافظة حماة شملت المصرف العقاري الذي أكد مديره مطانيوس عبدالله أن انقطاع الكهرباء معظم ساعات الدوام الرسمي يكلف المصرف أعباء مالية باهظة ثمناً للمازوت الذي تحتاج منه المولدة أكثر من 35 ليتراً في الساعة الواحدة في حال توافره وتكاليف صيانة المولدة التي بدأت تتآكل بسبب تشغيلها ساعات طويلة بطاقتها القصوى، ولذلك تتعرض لأعطال متكررة، وعند تعطلها يتوقف العمل كلياً في المصرف الذي يقدم خدماته لآلاف المواطنين يومياً وتتوقف الصرافات الآلية عن العمل.
في حين ذكر مدير مصرف التوفير جعفر اسكاف أن تعطل المولدة الرئيسة والاعتماد على مولدة احتياطية صغيرة تستهلك حوالي 28 ليتراً في الساعة، يضاف إليها استهلاك 222 ليتراً في مكاتب فرع المصرف الموزعة على المناطق يومياً عند توافرها، وهذا لا يلبي الغرض ويُعرقل العمل ويتطلب من العاملين بذل جهود مضاعفة لإنجاز أكبر قدر من المعاملات المصرفية في فترة التزويد التي لا تتجاوز عشر دقائق في أغلب الأحيان، ونادراً ما يتواصل التيار مدة نصف ساعة ضمن ساعات الدوام الرسمي. وبتاريخ 12/2/2017 لم يتمكن المصرف الزراعي في حماة من العمل لغياب الكهرباء وتعطل المولدة، وقال مدير المصرف: إن كل العمليات المصرفية المتعلقة بالزراعة والأعلاف متوقفة لحين وصل التيار الكهربائي من الشبكة العامة نتيجة تعطل المولدة. وما ذُكر ينسحب في معظمه على المصارف التجارية والتسليف الشعبي والصناعية والزراعية الموزعة في كل أرجاء المحافظة.
راية العجز
يشير أغلب المديرين القائمين على رأس المؤسسات والمديريات العامة في حماة ومنها الخدمات الفنية والبيئة والزراعة والمياه والتأمينات الاجتماعية والشؤون والصحة ومجالس المدن والأعلاف إلى أنهم رفعوا راية العجز عن أداء العمل بالشكل الأمثل، لأن المازوت المخصص للتدفئة الخاصة بالمكاتب والعاملين فيها والنقل والخدمة يتم تحويله أو تحويل جزء كبير منه إلى مولدة الكهرباء التي تحتاج في مديرية الخدمات الفنية إلى حوالي 60 ليتراً في الساعة، وفي المياه إلى أكثر من 40 ليتراً، وأغلبية المولدات من الأنواع القديمة التي يصعب إصلاحها وتكاليف صيانتها باهظة جداً، وتالياً فإن الأداء سيكون للمولدة وللعاملين دون المستوى المطلوب.
أوجاع الريف
في ريف المحافظة، وعلى لسان المزارعين والأهالي ومنهم أبو خالد ومحمد وإبراهيم وأبو إسماعيل فإن واقع الكهرباء أسوأ من الوصف بكل المقاييس والقيم فقد خرجت مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية من الخدمة والتي كانت تعتمد على الكهرباء في ري المحاصيل، وتكبد الفلاحون الذين يعملون بها خسائر متلاحقة ولعدة سنوات، منعتهم من متابعة العمل في مجال الزراعة المتوارث أباً عن جد والذي ضمن لسورية مستوى عالياً من الأمن الغذائي، ولكن الوضع لم يعد يُطاق، وفق زعمهم، وتحوّل الكثيرون منهم إلى أعمال أخرى رغماً عنهم.
الحرف والمهن الصناعية معطلة
وكان من بين المواطنين الذين لجؤوا إلى الإعلام حرفيون وعاملون في المحلات الصناعية والمعامل، وهؤلاء قالوا: إن مصدر عيشنا الأساس في تراجع دائم وقارب مرحلة التوقف الكلي من بسبب قطع التيار الكهربائي، كما تأثر المستهلك والمحتاج إلى استجرار البضائع المصنعة أو التي تدخل في أعمال الصيانة، لأن شراء المحروقات من السواق السوداء بسعر 400 ليرة أو أضعافها أحياناً يستوجب من صاحب العمل رفع الأجور أو قيمة السلعة المصنعة على حساب المواطن الضعيف أصلاً.
الدواء والمشافي
واستغرب العاملون في المراكز الصحية والمشافي والصيدليات وحتى الأطباء في عياداتهم الخاصة تجاهل أهمية الكهرباء لهم من قبل المعنيين، ولاسيما في حفظ الأدوية وتشغيل أجهزة التصوير الشعاعي وغسل الكلى وأجهزة الإنارة في غرف العمليات الجراحية وتشغيل المعدات الخاصة بأطباء الأسنان وتدفئة غرف المرضى وتشغيل المصاعد وما إلى ذلك.
عجز الكهرباء
مدير شركة كهرباء حماة المهندس محمد الرعيدي أكد لـ«تشرين» أن الشركة تبذل قصارى جهدها في صيانة الشبكة الكهربائية التي انتهى عمرها الافتراضي في الكثير من المواقع نتيجة الأحمال الزائدة، إضافة لتبديل المحولات باستطاعات أكبر لتحمل الضغط، واستبدال الأمراس والكوابل الكهربائية التي تتعرض للاهتراء والسرقة، موضحاً أن سرقة الأكبال النحاسية من اللصوص بهدف بيعها تقع تكلفتها على عاتق المواطنين المستفيدين من الكبل حرصاً على حماية الشبكة.
مضيفاً: إن الكميات المخصصة للمحافظة محددة من مركز العاصمة وتُقدر بنحو 115 ميغا في اليوم، منها ما يذهب لخطوط ذات أهمية خاصة أو مباشرة مستثناة من التقنين، ما يُقلص من حصة المواطنين في الأحياء السكنية، وبالنسبة لسحب التوتر من مركز تنسيق دمشق المركزي فإنه يتم من دون إعلامنا وعلى مزاجية العاملين الذين لا يتقيدون بالتوصيات والمقترحات التي نرفعها لهم عن طريق الإدارة العامة، مشيراً إلى أن فصل الشتاء عادة ما يشهد ضغطاً متزايداً على الحمولات بسبب عدم توافر المحروقات اللازمة للتدفئة وغلاء أسعارها، ويضطر المواطن لاستخدام ما يتوافر من مدة التقنين الزمنية للتدفئة وأعمال المنزل وضخ المياه وغيرها في وقت واحد، ما يؤدي لانقطاعات متكررة خارجة عن الإرادة ولا تتحملها القواطع التي تحمي المنظومة الكهربائية، وهذا الأمر يمكن تعميمه على كل المحافظات في سورية.

print