نجوى صليبه

من ساحة قرية بكسا في ريف اللاذقية، تحديداً في العام 1978 انطلقت أولى تجاربه المسرحية التي يعدّها تجربة لمسرح الهواء الطلق، يومها قدّم المسرحي فايز صبوح مع مجموعة من أصدقاء يهوون المسرح، اسكيتشات ناقدة عن فرن القرية والماء وغيرهما من القضايا، ليفاجأ صبوح ورفاقه بأنّ أهالي أكثر من عشر قرى مجاورة جاؤوا ليشاهدوا ماذا سيقدّم هؤلاء الفتية، جمهور دفعهم لإعادة هذا التقليد ثلاث سنوات متتالية، يقول صبوح: في تلك المرحلة كنا نشتغل مسرحاً ونتفوق في مكان أو نتراجع في آخر، وكانت هناك بساطة وطيبة في التعامل..
بالسّؤال عن نقاط الاختلاف بين هواة المسرح بالأمس واليوم، يوضّح صبوح: هذا الجيل مرعب حقاً، نجد طالب صف ثانوي هاوياً للمسرح يفهم بكلّ أمور التكنولوجيا، لذا يجب أن نعمل على صقلهم وتسخير ذكائهم في الثقافة، مؤكداً أنّ النسبة الغالبة من الهواة تصير محترفة، لكن المشكلة ربما بعد مرحلة الدراسة الثانوية.. يقول: بعضهم يشتغل عدداً من الأعمال، ويذهب إلى المعهد العالي ليفاجأ بأنّ المعهد بحاجة إلى خمسة عشر طالباً فقط، وهذه تكون الصدمة الأولى، ويفاجأ أيضاً بأنّ هناك مواهب أفضل منه، لذلك معظم الشباب يدرسون فروعاً أخرى في الجامعة وبعضهم يستمر في المسرح الجامعي..
هجرة دائمة وتنقلات كثيرة يشهدها الحراك المسرحي والأسباب كثيرة ومتعددة، لكن سنبقى عند هجرة المسرح للريف الذي انطلق منه ولم يعد إليه أبداً، يبين صبوح: اليوم أصبح بإمكان ابن الريف في أي لحظة وأي وسيلة الوصول إلى المدينة ليحضر مسرحاً، لكن في أيامنا لم تكن هناك وسائل نقل ولا اتّصالات ولا تلفزيونات ولا أقمار صناعية، اليوم كلها موجودة، في الماضي كنّا ننتهي من العروض في اللاذقية وتوافق مديرية المسارح على القيام بجولة في الريف في أكثر من محافظة في السلمية والسقيلبية وسلحب ومحردة ومصياف وحماة.. مثلاً السلمية ومصياف تمتلكان مسرحاً وعشقاً للمسرح منذ زمن بعيد، وفيهما جمهور يناقش في كل شيء، هناك فكر ووعي قديم للمسرح، عرضنا في حمص أيضاً، أقول تلك الأيام أفضل من هذه الأيام، كانت هناك مهرجانات المحافظات، مهرجان حمص المسرحي كان مهماً على مستوى العالم العربي، كذلك مهرجان طرطوس.
يتابع صبوح: اليوم تحاول مديرية المسارح والموسيقا إعادة المهرجانات المسرحية لكن المسرح يحتاج ميزانيات ودعماً مادياً، فمن غير المعقول أن يشتغل الممثل المسرحي شهرين بين بروفات وعروض ليقبض اليوم مثلما كان يقبض قبل الحرب!. الدّعم المادي يؤدي إلى عروض أكثر وأزياء أفضل وممثل أفضل وديكور أفضل..
عملية تثقيفية متكاملة تتطلبها المحافظات
جميعاً، لكن يبقى للعاصمة الحظ الأوفر من الدعم وتبقى العين عليها، يقول صبوح:
هذا الهم حرّض المسرحيين في اللاذقية على العمل أكثر فلم يقفوا مكتوفي الأيدي، في العام الماضي أقمنا ورشات عمل، لكنها بحاجة إلى صقل وضبط، ليس المهم أني أشتغل المهم احترام الجمهور والاهتمام به.. هناك أناس حريصون على حضور المسرح رغم كلّ الظروف.
ولا يجد فايز صبوح فرقاً بين جمهور اللاذقية وجمهور العاصمة، يقول:
الجمهور هو الجمهور ولديه طقوسه، معظم جمهورنا قبل الأزمة كان متعطشاً للمسرح.. على سبيل المثال من سنتين كنت أقدّم مونودراما 13 شخصية في أكثر من عرض، وعندما ينقطع التيار الكهربائي وأجلس بصمت من دون حرف، يبدأ الحضور بتشغيل أضواء الجوّالات وهكذا أكمل العرض.. في أحد العروض سقطت قذيفة بالقرب من الصّالة وشعرت بأن خشبة المسرح اهتزت، يومها بقي الجمهور يتابع حتى نهاية العرض ولم يخرج أحد..
استمر فايز صبوح في التمثيل المسرحي إلى عام 2005، حيث بدأ يفكر بالإخراج، واشتغل في مهرجان المحبة مساعد مخرج، وفي عام 2009 اشتغل عملاً يعدّه نقلة نوعية، إذ كتب سيناريو حفل افتتاح المهرجان وأخرجه.. يعتمد في عمله على نظرية تقول: إنّ الحالة الشعبية هي الأساس في المسرح، لذا لم يكتف بالعمل للكبار بل توجّه إلى الأطفال أيضاً، فأخرج أوّل عرض مسرحي للأطفال «محكمة» عام 2013، أمّا تمثيلاً فكانت البداية عام 1997 إذ قدّم «الأميرة القبيحة» ليتبعها لاحقاً بعدد من العروض، وهو اليوم بصدد كتابة نص للأطفال ومن المحتمل أن يعتمد على طفلين.. يبين صبوح خصوصية الطفل وكيفية تلقيه المسرح: الطفل ليس لديه حواجز ولا مجاملات، على خلاف الكبار يخرج ما بداخله، قد يقول عن المسرحية ليست جميلة وقد يقول إنها جميلة، فالنقد الحقيقي هو نقد الطفل، الكبار ينقدون حسب العلاقة الشخصية..
الحركة المسرحية في المحافظات تعاني الكثير من الصعوبات لكن ذلك لم يمنع عشاق أبي الفنون من ولعهم بالمنصة والعمل على إعداد الأعمال وحضور البروفات والورشات لأن المسألة بالنسبة إليهم أكبر من أي حسابات وربما لهذا كله استمرت تلك المسارح باستقبال زوارها واستمر هذا الفن يستقطب المحترفين في صناعة الواقع الموازي كما يقال!.

print