التضخم والأجور

مابين السبب والنتيجة يبدو التضخم السبب الرئيسي في ارتفاع الأسعار في حين أن انخفاض الدخول والأجور يؤدي الى ركود الأسواق ..وبالتالي المزيد من التضخم ..وهناك ما يشبه الإجماع بأنه إذا تأخر المجتمع وأصحاب القرار في حل مشكلة التضخم الآن، فإنه سيكون على الجميع تبني سياسات أكثر تشددا مستقبلا، والتي ربما تدفع إلى الركود وزيادة حدة الأزمة الاقتصادية، في الوقت ذاته كل المؤشرات في الأسواق على تنوعها وتباينها ..وتوحش الأسعار يصب في خانة واحدة وهي تزايد التضخم ..وارتفاع كبير في الأسعار يراه الصناعيون منصفاً في حين يراه أصحاب الدخول الضعيفة قاسياً يفوق بكثير قدرتهم الشرائية.

تلك الطفرة التضخمية باتت تشوه المستوى المعيشي لشرائح كبيرة ومتزايدة يشعر بها الجميع اليوم ، ونجدها حتى على مستوى العالم وان كان لأسباب مختلفة ولا يستثنى منها أحد، وإذا كانت حدتها تتفاوت من دولة إلى أخرى ومن شهر إلى آخر، لكن يجب الإقرار بأنها باتت ظاهرة عالمية تطول الجميع، بل تمتد وربما بدرجة أكثر سوءا إلى الأسواق الصاعدة والاقتصادات منخفضة النمو في آن واحد.

وعلى الرغم من اختلاف أسبابها من بلد إلى آخر، فإن هناك أيضا عوامل مشتركة بين الاقتصادات المختلفة، بغض النظر عن درجة التقدم الاقتصادي لهذا البلد أو ذاك.

وعلى أي حال وأيا كانت تعقيدات المشكلة وعواقبها الوخيمة على الاقتصادات الوطنية والاقتصاد العالمي، فإنه من الواضح حتى الآن، أن العبء الأكبر لحل المشكلة سيقع على عاتق المصرف المركزي .

لا شك أن القلق الذي يهيمن على صناع القرار الاقتصادي من التضخم، تكمن أسبابه في انعكاساته السلبية المباشرة على تراجع مستوى معيشة المواطنين، لكن المخاوف من ” التضخم” هذه المرة، تفوق من وجهة نظر البعض قضية انخفاض مستوى المعيشة رغم خطورته، إذ إن معدلات التضخم الحالية ترتبط في جزء منها بتغيرات جيوسياسية، تجعل بعض الخبراء يرجحون أن تتشكل في العالم خريطة كونية جديدة للتوازنات الاقتصادية، بعد أن تنجلي عاصفة التضخم الراهن ويبدو أن معدلات التضخم على المستوى العالمي ارتفعت إلى حد كبير في أعقاب ارتفاع أسعار السلع الأساسية العالمية، واختناقات سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، عقب جائحة كورونا، وكذلك سوق العمل الضيقة في الاقتصاديات وتدني الأجور..بينما محلياً فأن العقوبات الاقتصادية والحصار والحرب وصعوبة تأمين الطاقة كانت الوقود الذي أشعل الأسعا وزاد معدلات التضخم .

في البداية وبعد أن كانت العناوين الرئيسة تنظر للتضخم باعتباره مشكلة الاقتصاديات الكبيرة ، سريعا ما امتد إلى الاقتصادات النامية الأخرى، ومنها إلى باقي اقتصادات العالم.

واللافت ان العالم لم يشهد هذه القفزة المفاجئة والمشتركة في معدلات التضخم المرتفعة منذ أكثر من 20 عاماُ.

ولعل أحد أبرز ملامح التضخم العالمي الراهن، هو أنه يترافق مع توترات جيوسياسية متزايدة بشكل حاد، أكثرها وضوحا الحرب الروسية – الأوكرانية، تلك التوترات الجيوسياسية تعني أن الاقتصاد العالمي يتغير، فهل يعد التضخم مساعدا إضافيا على تغير المشهد الكلي للاقتصاد ويبدو أن ارتفاع معدلات التضخم سيترك بصمات متعددة على المشهد الاقتصادي تتجاوز أزمة مستوى المعيشة، لتطول النماذج الاقتصادية ذاتها.

إذ إن ارتفاع الأسعار محليا يرجع إلى تزايد الاعتماد على سلاسل التوريد، وعدم الاعتماد على الإنتاج،المحلي مع صعوبة تأمين المستلزمات الأساسية من حوامل الطاقة وغيرها مع ملاحظة أن الدعوات للحمائية الدولية ستزداد في الفترة المقبلة مع بوادر انفتاح عربي – عربي ، وربما تجد دعما شعبيا نتيجة الربط بين فكرة التكامل في الصناعات الزراعية والصناعية والبترولية للحد من ارتفاع الأسعار من جانب، والاعتماد على السلع المحلية وغير المستوردة بما يكفل تطوير الإنتاج المحلي عبر فتح آفاق الاستثمار واعادة الاعمار ،الا أن الخطر الأكبر من ظاهرة التضخم الراهن، أنها تؤدي إلى مزيد من التشوهات في الاقتصاد ، التي تزداد صعوبة التصدي لها مع مرور الوقت كما أن عدم المساواة في الدخول يعد أحد أخطر الظواهر التي يعانيها المشهد الاقتصادي ، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، وارتفاع معدلات التضخم يفاقم تلك المشكلة .

ويزداد الوضع تعقيدا بتعرض عملات عديد من الأسواق الصاعدة والبلدان النامية لانخفاض في قيمتها، بسبب انخفاض تدفقات رأس المال الأجنبي وانخفاض التصنيف الائتماني، وهذا أدى إلى زيادة التضخم بالنسبة للسلع المستوردة، وبالطبع فإن توقعات التضخم في تلك الفئة من البلدان أكثر توافقا مع تحركات العملة أكثر مما هي عليه في الاقتصادات المتقدمة.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار
عمل جراحي نوعي في مشفى الباسل بطرطوس.. نجاح استئصال كتلة ورمية من الدماغ لفتاة بعمر ١٤ عاماً «صحة الحسكة» تتسلم شحنة جديدة من الأدوية "الزراعة" تعتمد أربعة أصناف جديدة من التفاح وتدعو للتشارك مع القطاع الخاص لإنتاج البذور رئاسة مجلس الوزراء توافق على مجموعة من توصيات اللجنة الاقتصادية المرتبطة بتقديم وتحسين واقع الخدمات في عدد من القطاعات بقيمة تجاوزت تريليون ليرة.. 28 مليون مطالبة مالية عبر منظومة الشركة السورية للمدفوعات الإلكترونية أميركا تعود إلى مسار «اليوم التالي» بمقايضة ابتزازية.. و«كنيست» الكيان يصوّت ضد الدولة الفلسطينية.. المنطقة مازالت نهباً لمستويات عالية المخاطر مع استمرار التصعيد شهادتا تقدير حصاد المركز الوطني للمتميزين في المسابقة العالمية للنمذجة الرياضية للفرق البطل عمر الشحادة يتوج بذهبية غرب آسيا للجودو في عمّان... وطموحه الذهب في آسيا مسؤول دولي: أكثر من ألف اعتداء إسرائيلي على المنشآت الصحية في قطاع غزة برسم وزارة التربية.. إلى متى ينتظر مدرسو خارج الملاك ليقبضوا ثمن ساعات تدريسهم.. وشهر ونصف الشهر فقط تفصلنا عن بدء عام دراسي جديد؟