سهى الحناوي

يخيل للبعض أن الحياة القضائية وقصور العدل والمحاكم معطلة بفعل الحرب على سورية، خاصةً أن الإرهاب الممنهج  بدأ أولاً بالهجوم على قصور ودور العدل في المحافظات وحرقها وخربها وإتلاف محتوياتها من ملفات المجرمين والمطلوبين للعدالة، وطمس معالم إجرامهم، ما دفع لانتعاش الجريمة انطلاقاً من ذلك والاستفادة من الفوضى التي خلفتها أدوات الإرهاب… ويتناسى كثيرون أن القضاء موجود بهيئاته ومحاكمه وتسير العملية القضائية وفق القوانين والأنظمة..
السويداء كما العديد من المناطق والمحافظات السورية التي كانت تهنأ بالأمن والأمان حتى دخلها فيروس الإرهاب والقتل  فباتت المحافظة وريفها تصحى وتنام يومياً على جريمة قتل وبأبشع الأساليب، لكن العدل مازال يأخذ مجراه وتفصل الدعاوى حيث يأخذ كل ذي حقٍ حقه والمجرم عقابه وذلك حسب النائب العام المحامي أسعد السياف الذي ذكر أن العام 2015 شهد فصل وإنجاز /32/ ألف دعوى قضائية، ومجموع الدعاوى المدنية والجزائية للعام 2016 المدور والوارد بلغ 29095 دعوى ما يعد إنجازاً كبيراً.. وحرصاً من القضاء على البت بالدعاوى بالسرعة القصوى كانت نسبة الفصل بالقضايا الجزائية والمدنية بالنسبة للوارد 101%، أما بالنسبة لإنجاز كاتب العدل من الوكالات فقد بلغت 47213 وكالة.. وكان بعض المحامين اشتكوا من كثرة عدد الدعاوى، الأمر الذي يتطلب كوادر إضافية وقضاة ولاسيما في محاكم الاستئناف والجنح ما أدى إلى التأخر في فصل بعض القضايا، كذلك التأخر في التبليغ الناجم عن تأخر الكتّاب في إعداد التباليغ بمواعيد محددة، ولا ينفي النائب العام حصول تأخير في فصل بعض القضايا، مؤكداً أن هناك بعض الدعاوى القليلة التي يتأخر البت فيها لأسباب إجرائية شكلية منها كثرة المدعى عليهم في مناطق ساخنة إذ يتعذر تبليغهم ولا يمكن السير والمضي في إجراءات الدعاوى من دون تبليغ المدعى عليهم جميعاً بشكل أصولي.

في قبضة العدالة..
فكر الإنسان في (الجريمة) وبحث عن علاج لها منذ تاريخه القديم ورغم ذلك لم يتفق الباحثون على تفسير واحد للسلوك الإجرامي، فمنهم من ربط السلوك الإجرامي بالبيئة الجغرافية ومنهم من ربطها بالتكوين البيولوجي للفرد ومنهم من عزاها إلى الأمراض النفسية أو العقلية أو الاضطرابات الشخصية وبعضهم عدّها نتاجاً للظروف الاجتماعية.
(تشرين) قامت بالإضاءة على بعض الجرائم الحاصلة في مدة زمنية قريبة خلال عدة أشهر متقاربة والتي زادت وانتشرت فيها الجريمة لاسيما في ظل الأزمة التي أنعسكت سلباً على أفراد المجتمع السوري ككل، وذلك من خلال التجول في أروقة الأمن الجنائي وكانت جولتنا للتعرف أكثر على بعض الجرائم كجرائم القتل بذرائع مختلفة (المال- السرقة- الشرف- وغيرها) وكيف تتعامل المحاكم معها، والبداية كانت من المدينة حيث أشارت جهة مختصة في الأمن الجنائي إلى أن بعض جرائم القتل التي تحدث يظن فاعلوها أن العدالة مغيبة وأنه بإمكان الفاعل أن يتوارى عن الأنظار مستفيداً من الوضع الأمني المتوتر، لكن عين العدالة لا تنام، موضحاً أن الجرائم بدافع الطمع والجشع وحب المال تكثر في مجال جرائم القتل لكن المتابعة في التحقيق ووجود الأمن الساهر على حياة المواطنين يساهمان في الكشف المبكر عن هذه الجرائم وبظروف قياسية.
جريمة على طريق الجبل
البداية من أروقة الأمن الجنائي وملفات الجرائم خلال العام 2015 من المدينة التي تكثر فيها الجرائم غير المبررة إلا بدافع الطمع والجشع وحب المال لا أكثر وذلك بعد إعلام الجهات المختصة بوجود جثة الشاب (ن- أ) على طريق الجبل وبأقل من 24 ساعة تم القبض على المدعو (ر- ق) الذي اعترف بإقدامه على قتل المغدور بعد قيام الأخير وحسب رواية القاتل بإنكار حصته من الاستيلاء على مال غير شرعي حيث إن القاتل اعترف أنه والمغدور اختلفا على (كنز) كانا قد استخرجاه منذ زمن من إحدى الأراضي ومن المعلوم لدى جهات التحقيق أن القاتل والمقتول يتمتعان بحالة مادية جيدة مما لا يستدعي القتل أو الغدر ببعضهما.
وبانتقالنا إلى الريف الذي ارتكبت فيه أبشع جريمة  راح ضحيتها 10 أشخاص بين قتيل ومقتول، حيث عثرت الجهات المعنية على (ز- د) مقتولاً بطلق ناري ومن خلال التحقيق تبين إقدام ابنه (م- د) بالاشتراك مع خاله (ف- ش) على قتل والده وذلك بعد علمه من والدته وشقيقته بقيام والده المغدور بالاعتداء على قاصر منذ كان عمرها 14 سنة  هنا نجد أن عمل الأمن الجنائي انتهى وخلال ساعات قليلة، ولكن… الروح الإجرامية المتأصلة في النفوس الضعيفة لم تنه عملها… لأنه وبعد مضي 4 أشهر على هذه الجريمة علمت الجهات المختصة بمقتل المدعو (ح- ش) وهو خال القاتل في الجريمة السابقة (م- د) وبعد حوالي 3 ساعات تم إلقاء القبض على كل من (ن- د) و(ع- د) و(م- د) و(أ- د) أشقـــاء المغدور(ز- د)  في الجريمة المذكورة سابقاً وتبين وجود 3 جثث عائدة لأطفال المغدور (ز- د) إذ قام هؤلاء الوحوش وهم أعمام الأطفال بقتل أولاد أخيهم الثلاثة بحجة الثأر لأخيهم المتهم بالاعتداء الجنسي على قاصر، إضافة لحرق قلب زوجة أخيهم (الأم) التي اتهمها إخوة زوجها (بالخيانة) وبأن المعتدى عليها ليست ابنة أخيهم من لحمهم ودمهم. إذاً لدينا كارثة إنسانية حقيقية بكل ما تحمل الكلمة من معنى ومهما تعددت الأسباب بحجة الشرف أو الطمع أو بحجة الشذوذ الجنسي الذي أدى إلى مقتل /5/ أشخاص ودخول /5/ آخرين للسجن وكلهم من عائلة واحدة أو الطمع وعدم وجود وازع ديني أو أخلاقي لقتل أطفال بحجة الحصول على جميع ممتلكاتهم.
شراء زوجة..
وفي الريف ذاته ومن خلال عملية بيع وشراء أدت لارتكاب جريمة شنعاء، فالغني يشتري الفقير حتى ولو كان هذا الغني مريضاً نفسياً أو عقلياً وبما أنه وحسب المثل القائل (الطمع ضر ما نفع) إذ علمت الجهات المعنية بوفاة الشاب (ع- ب) حيث بدأت عمليات البحث العلني والسري وجمع المعلومات التي بينت أن زوجة المغدور (ه- ه) قامت بقتل زوجها المريض عقلياً عن طريق وضع مادة السم له في كأس (الكاكاو) وأنها حصلت على عبوة السم من المدعو (ح- ج) الذي تربطها به علاقة غير شرعية واعترافهما بذلك.. إذاً هي صفقة خاسرة من الأساس فأهل الشاب المريض يتمتعون بالرفاهية لدرجة قدرتهم على شراء (عروس) لابنهم المريض عقلياً، وأهل العروس (السلعة) سيطر عليهم الطمع والشجع حتى ولو على حساب ابنتهم التي أجبرت على زواج مؤبد فلقت حتفها في (سجن) مؤبد.
انحراف.. ومشكلات أسرية
قاضي التحقيق أدهم زين الدين أوضح لـ (تشرين) دوافع الجريمة وربطها بأسلوب التنشئة الاجتماعية الخاطئة والنقص في عملية تعلم القيم والمعايير إذ تعود مشكلة الانحراف لأسباب تتعلق بالوسط الخارجي المحيط، إضافة للعوامل الاسرية المحيطة فأسلوب التربية الخاطئ والتوجيه المنزلي السيئ يلعب الأثر الأكبر في انحراف الأشخاص ولاسيما الأحداث منهم ومن تلك المظاهر (قلة الرقابة- القسوة أو الإهمال- التفرقة في المعاملة)، إضافة إلى وجود مشكلات أسرية كسوء العلاقة بين الوالدين (خلافات مستمرة- عدم استقرار عائلي- طلاق- سجن الوالدين أو أحدهما) إذ إن الاسرة هي المدرسة الأولى التي يتدرب فيها الفرد على مواجهة المعايير المتعارف عليها لسلوك الجماعة، كما أن للعادات السيئة للأب والأم الأثر البارز في الأولاد وتكون أحد أهم العوامل المؤدية للانحراف نحو الجريمة.
الفقر والعوز.. والجريمة
أضف إلى ذلك العامل الاقتصادي كالفقر والعوز الذي يعد أكثر ارتباطاً بانحراف الاشخاص وجنوحهم لارتكاب الجريمة، فانخفاض المستوى الاقتصادي للأسرة يدفعها للسكن في مناطق سيئة وبيئة قابلة أكثر للانحراف وانعدام رقابة الوالدين إضافة إلى ما هو أهم وهم (رفاق السوء) فالصحبة السيئة تعد أكثر الأسباب خطورة.
إذاً، من الجرائم الخطيرة على المجتمع (جرائم القتل) التي كانت منذ وجود البشرية من أولى الجرائم التي عرفها الإنسان، فالقتل يعرف بأن يقضي إنسان على حياة إنسان آخر، ومنذ ذلك اليوم والجريمة تتكرر بصور وأساليب شتى، فالجاني يقوم بارتكاب الجرم وإزهاق روح المجني عليه بشتى أساليب القتل ولا تهم الوسائل المستخدمة للقتل بل يكفي أن يكون الجاني قد أتى عملاً يحدث الموت، ولم يترك الشرع فاعل الجريمة من دون عقاب وقد نص قانون العقوبات السوري على جريمة القتل في المواد 533 حتى 539 والمعدل بالمرسوم التشريعي رقم /1/ لعام 2011.
جرائم الإرهاب
زين الدين قال: إن ما يمر فيه وطننا سورية من عمليات قتل وتدمير من قبل الجماعات الإرهابية المسلحة منذ العام 2011 وضعها في صدارة الدول التي تعاني الإرهاب الذي أدمى أبناء الشعب السوري بأساليب وأشكال لم تكن معروفة سابقاً وبوحشية ودموية قاسية وهذا ما دعا المشرع السوري لإصدار قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 تاريخ 2/7/2012 الذي أضحى وجوده ضرورة ملحة لقمع الجرائم الإرهابية القائمة فهو قوة تشريعية هادفة لحماية المواطنين في حريتهم وحياتهم وأموالهم وحماية المواطن فهو مواجهة حقيقية لأعداء الشعب والوطن.
ماذا يقول علم النفس الاجتماعي؟
أما بالنسبة لرأي علم النفس الاجتماعي في موضوع الجرائم تحدثت السيدة صفاء وهي مرشدة اجتماعية عن خطورة الجريمة التي تعد من أبشع الكبائر في جميع الشرائع على الإطلاق وأوجبها للعقوبات القاسية نظراً لخطورتها وعظيم أضرارها، واتخاذ كل التدابير الوقائية اللازمة بدءاً من الأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية لدرئها ومنع انتشارها ولاسيما في صفوف من هم في عمر الشباب وضرورة نشر الوعي اللازم من خلال الكتب والندوات.
ويرى علم النفس الاجتماعي أن أساليب حماية المجتمع من الجريمة تبدأ من مكافحة الأسباب المؤدية إليها وهي كثيرة منها، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية تربوية أو نفسية، وقد يتفاعل أكثر من سبب ليشكل دافعاً للجريمة، حيث وافق رأي المرشدة الاجتماعية صفاء رأي القاضي زين الدين بأن الأسباب الثقافية والتربوية تلعب الدور الأكبر كدوافع لجرائم القتل، لأن الفرد إذا نشأ وتربى على القيم الاجتماعية الحميدة ومكارم الأخلاق فإنها سوف تردعه عن الجريمة، إضافة إلى الاهتمام أكثر بالثقافة الدينية، فكل الأديان تدعو إلى المحبة والسلام وتثبط الدوافع الموصلة إلى الجريمة مهما كانت، ويمكن أن يقوم بدور التوعية الدينية العلماء والمعلمون والأهل كسرد المواعظ لأخذ العبر، وما أحوج شبابنا وشاباتنا للوعظ الديني الذي هو في جوهره وعظ أخلاقي يعلي من شأن الأخلاق الحميدة القويمة والصحيحة، ويبرز مخاطر سوء الخلق والسلوك، فلو تخيل المقبل على الجريمة خزيه وعقوبته المنتظرة لكان عدل عن جريمته.
وإذا اهتممنا بالعوامل الثقافية والتربوية فإننا سوف نتجاوز بقية العوامل المسببة لجريمة القتل، فسوء الحالة الاقتصادية هو أحد هذه المسببات، كما العامل الاجتماعي كتفكك الأسرة وانعدام الحوار بين أفرادها، فلو كان الفرد مسلحاً بالتربية الإيجابية لما فكر أصلا بفعل الجريمة ولاسيما جرائم الشرف التي تعد الأكثر شيوعاً في مجتمعنا الشرقي والتي تعطي الحق لفاعلها بإزهاق روح مهما كانت خطيئتها.
السيدة صفاء حدثتنا عن عدة توصيات للحد من وقوع الجرائم في مجتمعنا أهمها: حل المشكلات بالحوار سواء داخل الأسرة أو بين أفراد المجتمع، إعادة تأهيل المجرمين وتعديل سلوكياتهم ولاسيما أن بعضهم اعتاد ارتكاب الجريمة بسهولة وله تاريخ جرمي، فيفقد الشعور بالذنب كما يفقد السيطرة على انفعالاته ودوافعه فيتجاوز القوانين من دون أدنى مسؤولية، إضافة إلى الحزم بتطبيق القوانين ضد حيازة الأسلحة غير المرخصة، ومكافحة تقليد الثقافات الغريبة عن مجتمعنا والمستوردة عبر وسائل الاتصال الحديثة، والتأكيد على تخيل موقف الخزي والعار والعقوبة لدى من تسول له نفسه الإقدام على ارتكاب جريمة القتل.
وأخيراً.. تصميم موقع انترنت تشرف عليه مجموعة من أساتذة الإرشاد النفسي ينشر الجرائم وكيفية كشفها والعقوبات الرادعة لها من دون نشر كيفية التخطيط للجريمة كي لا يقلد الآخرون خطوات الجريمة.

آخر الكلام..
مهما كانت الدوافع وراء الجريمة سلبية أو إيجابية فلا يحق لمجرم أن يستبيح دماء إنسان آخر ولا تبرئ ساحته وإقدامه على ارتكاب جرائم مهما كان نوعها، وإن ظن المجرم أن فعلته ستمر من دون عقاب وأنه يستطيع الإفلات من قبضة رجال الأمن وتالياً العدالة.. فهو واهم.. فالجريمة لا تعرف غنياً أو فقيراً ولا تعرف متعلماً أو جاهلاً أو من أي طبقة أو دين أو مستوى، هي نتاج مجتمع يملك من الأخطاء مالا يغتفر وتودي به وبأبنائه إلى التهلكة والخسارة وفقدان الأحبة والضياع وراء قضبان الحبس.

تصوير : سفيان مفرج

print