محي الدين المحمد:

يبدو أن حالة الطلاق القسري بين استراتيجية ترامب واستراتيجية أوباما بشأن الأزمة في سورية حصلت فعلاً، حيث أكدتها تصريحات العديد من المسؤولين في إدارة ترامب، ومن هؤلاء وزير الخارجية ومندوبة أمريكا في مجلس الأمن وكذلك الناطق باسم البيت الأبيض الذين أشاروا جميعاً إلى أن «إسقاط» الحكومة الوطنية في سورية لم يعد أولوية وأن الشعب السوري هو الذي يقرر مصير بلاده، بينما كانت إدارة أوباما ومن خلال تسويقها لمؤامرة ما يسمى «الربيع العربي» ودعمها للإرهابيين الذين يمثلون «الإسلام السياسي» تسير باتجاه «إسقاط» الأنظمة بالقوة ونجحت أدواتها بتغيير وإسقاط الأنظمة السياسية التي كانت قائمة في تونس وليبيا ومصر واليمن، بينما بقيت سورية عصيّةً رغم كل ما حشدوه لتحقيق ذلك المشروع الأمريكي – الإسرائيلي.
مئات الفضائيات والصحف والإذاعات وآلاف المواقع الإلكترونية وحصار اقتصادي على الشعب السوري وإدخال أكثر من 360 ألف إرهابي -وفق ما ذكره مركز أبحاث ألماني قبل عام- و45 مليار دولار وربما أكثر بكثير وأسلحة وسيارات دفع رباعي مع آلاف الانتحاريين والانغماسيين، كل ذلك ليس فقط لمحاولة «إسقاط» الدولة السورية وإنما لتدمير سورية والانتقام من الشعب السوري ومن قيادته تنفيذاً لما يسمى «الوزر التراكمي»، إذ إن سورية وعبر العقود الماضية استطاعت الوقوف في وجه الاستباحة الأمريكية وعرقلة مخططاتها في أيام الحرب الباردة وفي الفترة التي تلتها.
إن ما نسمعه هذه الأيام من المسؤولين الأمريكيين حول احترام إرادة الشعب السوري في تقرير مستقبل بلاده لم يكن بسبب عودة الضمير إلى مكونات إدارة ترامب أو احترام هذه الإدارة ميثاق الأمم المتحدة الذي يحرّم إسقاط الأنظمة بالقوة ويحرّم أيضاً التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإنما كان اعترافاً بأن الشعب السوري الذي وقف في وجه المؤامرة وهزم الإرهابيين وداعميهم في مختلف الجبهات كان أكبر وأقوى وأعظم مما كانوا يتوقعون ويحشدون، مع الإشارة إلى أن كلام المسؤولين الأمريكيين الآن ليس موجهاً للشعب السوري الذي فرض هذه المعادلة بتضحيات أبنائه بقدر ما هو موجه لأذناب أمريكا في الرياض والدوحة وأنقرة وباريس وعواصم غربية كثيرة.. وإذا كانت باريس وبعض العواصم الأخرى قد فهمت الرسائل الأمريكية وبدأت تعيد النظر في مواقفها وتصريحاتها، فإن ما يسمى «معارضة الرياض» التي عطّلت محادثات جنيف الأخيرة ورغم فهمها للرسالة إلا أنها ما زالت تردد ما بات مرفوضاً سماعه عربياً ودولياً، لكن وقائع الميدان وحالة اليأس التي تعيشها منظومة التآمر على سورية قد تنعكس في الأشهر القادمة لإنضاج حل سياسي يتناسب مع تضحيات الشعب السوري وميثاق الأمم المتحدة ويميط اللثام عن الدور القذر لتلك «المعارضة» المصنّعة في الخارج.

طباعة

عدد القراءات: 2