د. رحيم هادي الشمخي

 

يرى المحللون السياسيون والخبراء العسكريون في منطقة الشرق الأوسط والعالم، أن حكام تركيا في حزب العدالة والتنمية الإسلامية، هم الذين شاركوا في مؤامرة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير بخصوص مؤامرة ما يسمى «الإسلام السياسي السلفي»، الذي أحرق الأخضر واليابس ودمر البشر والحجر وأهلك الزرع والضرع في العراق وسورية واليمن وتقسيم السودان والفوضى العارمة في مصر سابقاً وتسليمها إلى حكم الإخوان المسلمين المتمثل في شخص «محمد مرسي» الرئيس السابق الذي هيأته وتعبت على تربيته الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية في المنطقة العربية، يذكرنا ذلك بما جاء في إفادة «بيكر» وزير الخارجية الأمريكي السابق أمام الكونغرس الأمريكي بعد دخول العراق للكويت عام 1990، يقول بيكر «علينا أن نسأل أصدقاءنا عما نفعله للإطاحة بالأنظمة التي تقف ضد أهداف الولايات المتحدة الأمريكية الاستراتيجية»، وقبل احتلال العراق توجه «بيكر» إلى تركيا ومن هناك قال: «مشاركة تركيا في مشروع التغيير الشرق أوسطي مهم جداً لحلفائها في المنطقة»، وهذا ما يؤكد ضلوع حكام تركيا في المؤامرة الكبرى التي تديرها أكثر دوائر المال إجراماً ووحشية ضد الشعب العربي من المحيط حتى الخليج العربي، وهذا ما يظهر جوهر المشكلة الحقيقي لدى «دوقات تركيا» بإعادة الدولة العثمانية البائدة في القرن الواحد والعشرين، والسيطرة على القرار العربي والمشاركة في تعطيل المشروع القومي العربي من خلال التدخل المباشر والسريع في الشؤون الداخلية للأقطار العربية وخاصة العراق وسورية وليبيا ومصر وفلسطين تنفيذاً للمخطط الأمريكي الأطلسي الصهيوني، وإشاعة روح الطائفية والعرقية والفوضى في الوطن العربي وبصورة خاصة ما يجري في سورية العربية من أحداث بإبادة شعبها والطمع المبيت باحتلال أرضها.. ففي الأمس احتلت تركيا لواء الاسكندرونة، أما اليوم فهي تسرح وتمرح بقواتها في العراق وسورية بحجة محاربة الإرهاب و«داعش» وهي التي سهّلت مرور الإرهاب إلى سورية والعراق عبر حدودها، هؤلاء الحكام يفكرون بإقامة دولة عثمانية جديدة يساندهم بعض الحكام العرب المدفوعة أثمان مناصبهم من قبل الإمبريالية العالمية، من أجل التوسع والعدوان وصب الزيت على النار، وهو مشروع مكمل وملحق بمشروع الشرق الأوسط الكبير حان وقت تنفيذه في مرحلة خطيرة تمر فيها الأمة العربية وهي تندب حظها من عثرات بعض حكامها الذين ركعوا للطاغوت الأمريكي وتحولوا إلى جوقة ومافيات، يقدمون الولاء والطاعة للمحتل والغازي والمستعمر للحفاظ على كراسي الحكم المزركشة بالذهب، والسحت الحرام، هذه المؤامرة التي تقوم بها تركيا في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العربية ترجع إلى عدة أسباب من أهمها، أولاً: غياب الإرادة العربية الواحدة، وهو غياب شبه كامل تدنى إلى ما دون الحد الأدنى من التنسيق بين الإرادات المتعددة، ولهذا السبب وصل عجز السلام العربي، وعدم قدرته على الحركة إلى حدّ العطالة والشلل في المستوى القومي، وثمة اقتناع بأن المعضلة ليست نقص الاستراتيجيات أو خطط العمل العربي المشترك، ولا في النصوص والاتفاقيات والمواثيق والقرارات، وإنما العلة، كل العلة، هي في غياب الإرادة العربية الواحدة، وفي بروز نقيضها وهو الإرادات العربية المتعددة.. وثانيها: إهمال القوة الذاتية العربية وهو إهمال تولد من السبب الأول، فتلاشى الوثوق بالقوة العربية لأنها غير تابعة لإرادة عربية، وإنما هي شتات وأجزاء منفصلة لا رابط بينهما، ولا محرك واحد لها ، فتحلل الأمن القومي العربي وغابت معالمه، وتبعثرت عناصر تكوينه، ومن هنا راح الأمن القطري يسعى إلى الحماية في ظل قوة أخرى غير عربية، «أمريكية- صهيونية – تركية» وأوروبية، وكان من نتيجة ذلك أن زادت روابط التبعية للقوى الخارجية.. وثالثها: ضياع القضية الفلسطينية في دهاليز وكالة المخابرات الأمريكية والحلول الاستسلامية وعرب الجنسية، وقيام الكيان الصهيوني بتقسيم فلسطين إلى أوصال متناثرة بوساطة كارتونات وسياج عنصري وأصبح قرار المقاومة الفلسطينية مناط بأيدي الحكام العرب الذين شاركوا في اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو، ومدوا أيديهم للعدو الصهيوني في أكبر هزيمة للعرب بعد نكسة الخامس من حزيران عام 1967.. ومما تجدر الإشارة إليه أن حكام تركيا العثمانيين قد احتلوا قواعد عسكرية في شمال العراق، هذا ما ذكره رئيس وزراء العراق يوم 6/11/2016 أمام مجموعة من التربويين العرب، هي قاعدة العمادية وقاعدة «بامرلي» و«بعشيقة» العسكرية، ما يؤكد خطورة الدور التركي بإعادة الامبراطورية العثمانية، إضافة إلى ذلك يقوم الخبراء العسكريون الأتراك بتدريب المرتزقة في محافظة أربيل العراقية وإدخالهم في الحرب الدائرة رحاها ضد سورية العربية وشعبها ومؤسساتها الخدمية لإرضاء الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل» اللقيطة وحلف شمال الأطلسي لحصولها على موافقة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبغضاً للعرب ولتاريخهم المجيد الذي سجل ملاحم المقاومين العرب ضد الاحتلال العثماني عندما انهارت قلاعهم وأصبحت في مهب الرياح العربية، فأين العرب اليوم من هذه المؤامرة التي تقودها تركيا نيابة عن «إسرائيل»؟
إن مصدر الإحباط الأكبر لمشروع الأمن القومي المنشود هو غياب الإرادة العربية السياسية الجماعية، بفعل التمزق العربي وخلافات الأنظمة العربية، لذلك تجاوزت تركيا حقوق العرب في أرضهم وأوطانهم، وقامت «إسرائيل» اللقيطة بشنّ أربع حروب وحرب استنزاف..وبعد فثمة مقولة قالها الإرهابي «افغيدور ليبرمان» وزير الحرب الإسرائيلي السابق عام 1975م، أمام جمع من المتخصصين بالاستراتيجية والشؤون العسكرية جاؤوا إلى القدس المحتلة من مختلف أنحاء العالم قال: «يعد التفاوت الكبير بين «إسرائيل» وجيرانها من حيث القوى والإمكانات المسألة الأساسية لحكومة «إسرائيل» في حالة العداء المستمر: 21 دولة ضد دولة واحدة، 250 مليون عربي ضد 2.900 مليون إسرائيلي، مساحة تبلغ من الأرض 88.000 كم مربع معظمها قاحل مقابل 12.500 مليون كم مربع غني بالثروات الطبيعية، كل ذلك والمجابهة مستمرة طوال هذه السنين الأخيرة التي وقعت خلالها أربع حروب وحرب استنزاف، وحملة إرهاب، واندلاع متكرر لعمليات عدائية».. هذا ما قاله «شمعون بيرس»، فهل يتعظ العرب اليوم من فصول هذه المؤامرة التي ما انفكت تستهدف الوجود القومي للإنسان العربي بمشاركة تركيا وحلفائها في المنطقة العربية؟ يعلم الله متى يدرك العرب غايات وأهداف هؤلاء الأعداء مصاصي دماء الشعوب المحبة للحرية والسلام..
أكاديمي وكاتب عراقي

طباعة

عدد القراءات: 3