آخر تحديث: 2020-05-27 02:34:24
شريط الأخبار

حركة تسلل أمريكية في شرق سورية

التصنيفات: ثقافة وفن

د. ابراهيم علوش :

ازدياد زخم الاندفاعة الميدانية للولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرق سورية، باتجاه الرقة، أوضح أخيراً بعض معالم الاستراتيجية الأمريكية في سورية.  وبات من الواضح، منذ تربع ترامب على سدة المكتب البيضاوي، أن الخط الأمريكي المفتوح بقوة مع أطراف معينة منذ أيام أوباما، كأحد الخيارات التي لا بد من موازنتها مع خيارات وضوابط إقليمية أخرى، قد برز فجأة كمَدخَل محوري لدور أمريكي جديد في منطقة تزخر بالمياه والأراضي الزراعية والنفط والغاز…
في أواسط الشهر الفائت أعلنت مصادر في البنتاغون عن «احتمال» مضاعفة أعداد القوات الأمريكية الموجودة في سورية (تحضيراً لمعركة استعادة الرقة من داعش).  وسمعنا بعدها بأسبوع عن إنزال جوي لقوات أمريكية في ريف الطبقة الغربي.
وكنا قرأنا في نهاية كانون الثاني الفائت عن تسليم واشنطن «قسد» مركبات مدرعة لقوات مدعومة من قبلها، وسمعنا، قبل شهر تقريباً، عن قيام تلك القوات بقطع الطريق على «داعش» بين الرقة ودير الزور، ما يمثل تطويقاً للرقة من جنوبها،  وكان الجنرال «ستيفن تاوسند» القائد الأمريكي لقوات «التحالف» في سورية والعراق قد هيأ لدخول هذه القوات المدعومة من قبل أميركا إلى الرقة في 1 آذار بالإعلان عن «دور ما» لهم في تحريرها من ربقة «داعش».
إن تمدد أطراف معينة في شرق سورية يتمثل بالتركيز الإعلامي المفتعل على مجندين في هذه الأطراف الذين نفهم من بين سطور تقرير في  7 كانون الثاني الفائت لصحيفة «واشنطن بوست»، المقربة من دوائر صنع القرار في العاصمة الأمريكية، أنهم يخضعون لدورة تثقيف مناهضة للعروبة، تحت شعارات «أممية» و«ديمقراطية» مزعومة، قبل تسليمهم للمدربين الأمريكيين.  أما برنامجهم السياسي، حسب تقرير «واشنطن بوست»، فيتمثل بـ«سورية فدرالية تعددية».
الواقع البراغماتي لمصالح الدول يفيد، في المقابل، أن الخطاب الأيديولوجي ليس الأساس في تقييم الموقف من أي قوة أو شخصية سياسية، بل اصطفافها العملي في التناقضات الملموسة على أرض الواقع، وفكرة «الشعب يحكم نفسه بنفسه من خلال مجالس محلية»، كبعض الأفكار التي يحاول البعض تمريرها، في ظل الاندفاعة الأمريكية الجديدة شرق سورية، وفي ظل أعتى حملة إقليمية ودولية ضد سورية أرضاً وشعباً ومؤسسات، يعني فعلياً تحول البعض إلى رأس حربة في المشرع الأمريكي في المنطقة، بغض النظر عن أي تخريجة يسارية أو غير يسارية، وهو ما يهم الأمريكان في المحصلة.
لا شك في أن الاعترافات الأمريكية الرسمية المتتالية بأن مستقبل سورية  يقرره الشعب السوري، واعترافات لندن وباريس من بعد واشنطن بالاتجاه نفسه، تمثل إقراراً بالوقائع الميدانية على الأرض التي سطرها صمود الشعب والجيش والقيادة السورية، بالتلازم مع التضحيات السخية لأصدقاء سورية وحلفائها، فهذا يمثل نزولاً عن الشجرة العالية وإقراراً بأمر واقع، وبحق مشروع، كما يمثل صفعة  كبرى للحملة العدوانية على سورية ولأذنابها.
لكن يخطئ من يتوهم أن الولايات المتحدة وحلفاءها الذين شهدوا مشاريعهم وأدواتهم تتحطم الواحدة تلو الأخرى، من حلب إلى درعا، على وشك أن يتركوا سورية لشأنها.  فالخطاب الأمريكي الرسمي الآن، لمن يتابعه، يتركز على الوحدة الميدانية مقابل انحسار مناطق سيطرة «داعش»، وعلى تجميد التناقض مع الدولة العربية السورية في الظاهر، لكي يغطي على حركة تسلل شرق سورية تستهدف «اقتطاع» مساحة نفوذ أمريكية في منطقة غنية بالموارد.
وهذا التسلل الأمريكي السياسي والميداني، تحت عنوان «محاربة داعش»، يستهدف، فضلاً عن التهيئة لمشروع أميركا: 1- تأسيس وزن مقابل للوجود الروسي في سورية.
2- قطع الطريق على التواصل بين الجيشين السوري والعراقي.
3- تحريك أتون تناقض دموي إثني في سورية والعراق.
تركيا أردوغان تتألم، بعد أن خابت كل رهاناتها، لكن هذا بالضبط ما قد يساعد في تخفيف عدوانيتها إزاء سورية، على الأقل مرحلياً.  أما الرهان الذي أثبت أنه لما يخب، رغم كل الآلام والجراح، فيظل على سورية، وعلى شعبها وجيشها ورئيسها.
كاتب أردني

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed