تحسين الحلبي

 

حين فاز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة  الأميركية أعلن من البيت الأبيض في 20 كانون الثاني الماضي  يوم تسلمه الصلاحيات أنه سيتبنى سياسة جديدة لا شيء فيها من سياسة سلفه أوباما وسوف تستند إلى: أميركا أولاً والتوصل إلى تفاهم  مع موسكو وإلى محاربة «داعش» و«القاعدة»  وإلى التقليل من أهمية حلف الأطلسي والدور الأميركي فيه، وكانت هذه الخطوط العريضة كلها تختلف عن  السياسة التي اتبعها أوباما حتى آخر ساعة من صلاحيته خصوصاً حين استمر في الأيام الأخيرة من ولايته في تنفيذ مناورات عسكرية أميركية أطلسية قرب حدود روسيا وكأنه يمهد الأجواء لحرب عالمية ثالثة أو لحرب باردة  تستنزف قدرات روسيا.
لكن السؤال الآن بعد مرور أكثر من سبعين يوماً على رئاسة ترامب هو: هل تمسك بهذه السياسة وتمكن من إطلاقها على الأرض؟
يلاحظ الجميع أنه لم يفعل ذلك وهذا ما دفع كبار المحللين الأميركيين إلى تحليل الأسباب الرئيسة لهذه النتيجة. يقول «جوستين ريموندو» رئيس تحرير المجلة الأميركية الالكترونية «أنتي وور.. antiwar.com» إن المؤسسات والدوائر الأمريكية المتضررة من سياسة ترامب المعلنة سارعت إلى فرض استجواب بين رجال ترامب بحجة وجود عملية  اختراق  روسية بوساطة «السيابر» في توجيه نتائج الانتخابات نحو فوز ترامب وشنت حملة إعلامية ضخمة تتهم  فيها ترامب بالخضوع لابتزاز روسي. ويرى معظم المحللين الأميركيين أن إعلان  ترامب عن سياسة أميركا أولاً ورغبته في التفاهم مع بوتين هددت مصالح هائلة لعدد من المؤسسات العسكرية والاستخباراتية التي نشأت خلال العقدين الماضيين من عهد بوش الابن وأوباما وكذلك مصالح بعض الفئات الأميركية  والأوروبية من تقليل أهمية  الحلف الأطلسي ولاسيما في سياسته ضد روسيا.
ويبدو أن ترامب ومن معه من رجال إدارته لاحظوا أن حملة لاستجواب  من يرشحهم للعمل في إدارته أجبرت مرشحه لرئاسة مجلس الأمن القومي الأمريكي «مايكيل فلين» على الاستقالة والتراجع عن ترشيح  نفسه حين تبين أن له صلات لم يعلن عنها  بمسؤولين روس، وقد ولد الهجوم الإعلامي الذي قادته بعض وكالات المخابرات الأميركية والبنتاغون بمشاركة موظفي إدارة وسفراء أوباما ضد كل إجراء أو تعيين يصدره ترامب ارتباكاً في طريقة عمله وفي نشاط رجال إدارته المقربين وأفشل عدداً من قراراته.
لكن ذلك لم يمنع وزير الخارجية الأميركي «ريكس تيليرسون» من تمثيل جزء من سياسة ترامب الخارجية ولاسيما حين أعلن من أنقرة أثناء زيارته لأردوغان أن الشعب السوري هو الذي يحدد مستقبله وهذا يعني أن واشنطن لا تشترط استقالة الرئيس الأسد أو تطالب بتنحيه عن الرئاسة وقد وجه هذا التصريح صفعة لأردوغان والعائلة المالكة السعودية وقطر وهم الأطراف الثلاثة الذين  مولوا وسلحوا وتبنوا المجموعات الإرهابية  ضد سورية وقيادتها طوال السنوات الست الماضية.
ويبدو أن السؤال الذي يجب الإجابة عنه  في ظل استمرار صراع  المصالح  بين الصقور المحافظين وترامب وأنصاره  هو: هل سيحمل الاجتماع  المقرر قريباً بين الرئيس الروسي بوتين وترامب  تفاهماً يبشر بانفراج يحل النزاع الذي ولده أوباما بين الولايات المتحدة وروسيا ويؤدي إلى مقاربات مشتركة في حل المشاكل في الشرق الأوسط؟
أسابيع قليلة وربما من المتوقع أن تظهر صورة الوضع الدولي الذي سينشأ  عن قمة بوتين وترامب وما سيحمل من تأثير على المنطقة والعالم: فإما حرب باردة تقسم العالم بين معسكرين وإما انفراج  يمهد لحلول تتفاعل معها  شعوب المنطقة والعالم.

طباعة

عدد القراءات: 2