د. صـلاح صـالح

 

لا يُشترط في القاتل السوري لأخيه السوري أن يكون ذا أصل يهودي ليرتكب كل ذلك الذي ارتكبه «طعّان» في رواية «قابيل السوري» للروائي حسين ورور من جرائم وفظائع بحق السوريين وغيرهم، جرائم تبدو غير مسبوقة في تاريخ هذا الوجود البشري المتوحّش على هذه الأرض. فالتوحّش, وارتكاب الفظائع ليسا وقفاً على قوم دون قوم. وما نعانيه اليوم على أيدي بعض السوريين، وأيدي بعض أشقائهم العرب دليل على أنّ أمم الأرض جميعها سواسية في ارتكاب الموبقات والمخازي، وممارسة الرذائل. وإذا كان هناك من تفاوت، فالتفاوت قائم في اجتراح المكارم، وابتكار أساليب التعبير عن العبقرية، وترسيخ التحضّر والرقيّ. ومع ذلك، لا بدّ من الالتفات إلى الجذور التوراتية التي أثمرت سموماً في كثير من أشكال التعاطي الثقافي الإسلامي، وغير الإسلامي مع مختلف الشؤون التي تمسّ العقائد وممارسة العيش، وفي طليعتها الموقف الإلغائي ضدّ «الآخر» وجعْل قتله، وإبادته جمعياً وفردياً، فيزيائياً وثقافيّاً، سبيلاً حصريّاً لاكتساب مرضاة الله والتمتّع بالنعيم الأبدي الموعود.
هذه الرواية التي فازت بالجائزة الأولى لمسابقة اتحاد الكتاب العرب تؤكد سعة اطلاع الكاتب، وعمق ثقافته الشمولية، وقدرته على توظيف ذلك في إنشاء عمله المميّز، تسعى من غير هوادة إلى إدانة العنف والقتل الشنيع، وكشف الخبايا التي تدير آلة التقتيل في سورية من موقعيها في كل من تركيا واليونان. وتوكيد صدور أفعال التقتيل عن قتلة محترفين تجري في عروقهم دماء يهودية مهجنّة -عبر تاريخ طويل من التعقيد- بدماء بدوية ملتبسة بالعروبة. لكن بعض مشكلة الرواية أنها ترتد بأفعال القتل إلى أصولها «الزراعية» ممثّلة بقابيل المزارع، رغم أن بعض من يمارسها في الواقع السوري هم المنسوبون إلى حالة مبهمة من حالات البداوة, وممارسة مهنة الرعي التي تحوّل كثير من ممارسيها السوريين «الأمّيين» إلى ثوّار، وقادة سرايا، وكتائب، يُشار إليهم بالبنان الغربي الذي يبشّرنا بتنصيبهم قيّمين على مستقبلنا، ومستقبل أجيالنا القادمة.
بعض ما أتحفّظ عليه، أنّ هذه الرواية «الفائزة» تكاد تنطوي على مفارقة نعيشها جميعاً، مفارقة متمّثلة في عدائنا للثقافة اليهودية التي أسست أبشع أشكال القتل الجماعي، وجعلته سبيلاً للفوز برضوان الله، وترسيخها في الآن ذاته, عبر ترسيخ أنساقها الثقافية المتغلغلة في ثنايا حياتنا المعاصرة، كالقصص المرجعية المعتمدة في عدد هائل من الأعمال الفنية والثقافية العربية وغير العربية أيضاً. فكأنما حياتنا الثقافية بما فيها جانبها الروحي المتآكل مبتلاة بالعقم الذي يدفعنا إلى استعارة أدوات الآخر الثقافية التي اعتمدها للسيطرة على العالم التوحيدي، لكي نحرز انتصاراً موهوماً على ذلك الآخر بوساطة أدواته التي كانت أساس انتصاره. لا تحتل أصداء قصة قابيل المزارع وشقيقه الراعي الملتبس بالبداوة مساحة نصية داخل متن الرواية السورية، ولكنّ اعتمادها قصة مفتاحية عبر وضعها عنواناً للنص هو الذي نسعى إلى إعمال التفكير النقدي في كله، وفي ثناياه، وانعكاساته على مختلف مجريات حياتنا الثقافية المعاصرة.
أدّعي أن اللفافة السرية التي استطاعت «سافو» اليونانية الخبيرة باللغات القديمة أن تكشف الالتباس الذي يكتنف شخصية القرصان السوري المعاصر «طعّان» باسمه البدوي الفاقع، لم تكن ذات شأن فني أو فكري، لأنّ القارئ لا يحتاجها في الرواية لتفسير مختلف أشكال القتل الجماعي الذي وسم فجيعتنا السورية المعاصرة، ولا تستطيع إقناعه بأن الذين يمارسون هذه الأفعال الشنيعة جميعهم من أصول يهودية، فالأولاد السوريون قتلوا آباءهم، والأشقاء قتلوا أشقاءهم، وأبناء العمومة قتلوا أولاد عمومتهم، وهلمّ جرّاً. ومن الصعب أن ينتسب كل أولئك القتلة إلى أصل يهودي، إلاّ بالمعنى الثقافي الذي وشى به عنوان الرواية. وفي زعمي أن القارئ يستطيع أن يقرأ المصلحة الإسرائيلية في شتى مفاصل الحدث السوري، بالتوازي مع قراءة مصالح الغرب، ؛حيث تصبح قيمة اللفافة التي تكشف المستور عن أصل «طعّان/ قابيل السوري» غير ذات قيمة مضافة.

طباعة

عدد القراءات: 4