ليست «الجامعة العربية» هي ممثل العروبة، بما تشكله الأخيرة من وجود اجتماعي-سياسي راسخ يقاس عمره بالألفيات، بل تمثل «الجامعة» التوازنات غير المستقرة في موازين القوى بين الأنظمة القُطرية التي صممها الاستعمار في الوطن العربي، لذلك، بالرغم من محاولة البعض تصوير «نفي» سورية خارج «الجامعة العربية»  كأنه «نفيٌ من العروبة ذاتها»، وبالرغم من وقوع بعض أنصار سورية ومواطنيها، بدورهم، في مثل هذا الفخ المجازي، فإن ما جرى مع سورية في «الجامعة العربية» في العام 2011 جاء ببساطة انعكاساً لميلان ميزان القوى في المنظومة الرسمية العربية لمصلحة البترودولار والبتروغاز، أي لمصلحة الرجعية العربية، بالمعنى «الخشبي» للكلمة، إذا أردنا إثارة حنق خصومنا الأيديولوجيين.
ما جرى مع سورية في «الجامعة» جاء أيضاً في مسعى «لمحاصرتها وشطب دورها العربي»، خصوصاً في بلاد الشام، وجاء جزء من الحرب الإعلامية على الدولة السورية في خضم عدوان كوني لأن التشكيك بعروبة سورية لا يستهدف تقويض أسس الدولة فحسب، بل يستهدف فرط العقد الاجتماعي الداخلي السوري لمصلحة العصبيات الطائفية والعشائرية والمناطقية والعرقية، وذلك بمقدار ما قد ينجر بعض السوريين «لفصل سورية عن عروبتها» كردة فعلٍ انفعالية رعناء على ما تمارسه قوى الهيمنة الخارجية والصهيونية ضد سورية بأدوات رسمية عربية.
وكان من الطبيعي أن يكون الوجه الآخر لمحاولة «عزل» سورية عربياً، بعد تدمير العراق وليبيا، وانحسار الدور العربي لمصر، هو تقارب المحاولين مع الكيان الصهيوني وتصاعد التطبيع معه، وتحوله إلى «حليف موضوعي» في الصراعات الإقليمية، وفي الميدان السوري، وجاء ذلك لا على حساب مصلحة سورية فحسب، بل على حساب القضية الفلسطينية، والوزن النوعي للأقطار العربية المركزية في الإقليم.. وبدلاً من مقاطعة الكيان الصهيوني، صار العنوان هو مقاطعة سورية.
في الحالة الأردنية مثلاً أدى توقف التجارة مع سورية أو عبرها إلى خسائر مباشرة بمئات ملايين الدنانير، وخسائر غير مباشرة تفوق ذلك بكثير، وتحول ميناء حيفا وشبكة الطرق البرية وسكك الحديد، القائمة أو المزمعة، بين الأردن والكيان الإسرائيلي، إلى «بديل موضوعي» للاستيراد والتصدير مع سورية أو عبرها، ما يضيف بعداً آخر، مادياً ملموساً ومباشراً، لمصلحة الكيان الصهيوني في استمرار الأزمة في سورية، خصوصاً مع تجلي مشاريع ربط البنية التحتية للأردن (الماء، الكهرباء، الغاز، المواصلات، والمناطق الصناعية المشتركة) بالكيان الصهيوني، وربط الكيان الصهيوني بالأسواق الخليجية عبر الأردن.
في الواقع ليس من الممكن لقطر عربي غير مركزي أن يتصدى لدور إقليمي إلا عبر بوابة قوى الهيمنة الخارجية، وفي ظل انشغال، أو إشغال، الأقطار العربية المركزية بأزمات حقيقية، دموية أو اقتصادية، تضعفها وتغيبها، فإن قمة الأنظمة العربية تأتي هذا العام، بعد ست سنوات من اندلاع الأزمة في سورية، في ظل متغيرات ملموسة تضعِف من قوة الرجعية العربية وتقيدها، ومنها:
1- صمود سورية، واستعادة الجيش العربي السوري زمام المبادرة العسكرية في كل نقطة اختراق ميداني للعصابات الإرهابية التكفيرية، مؤخراً في جوبر وريف حماة، ناهيك بشرق حلب وتدمر…
2- تعثر المشروع الإقليمي للبترودولار، من اليمن إلى سورية إلى ليبيا، وفشله في تحقيق أهدافه، بالرغم من الدمار الكبير الذي يوقعه بالأمة ونسيجها الاجتماعي ومنظومتها القيمية.
3- دخول دول البترودولار في أزمة اقتصادية مستعصية، قللت من قدرتها على تمويل الأزمات خارجها، جزئياً بسبب سياسات اقتصادية رعناء أضرت بها أكثر مما أضرت بروسيا وإيران.
4- عدم انجرار مصر، بما تمثله من وزن إقليمي كبير، خلف دول البترودولار في الميدان السوري، وما يرشح عن سعيها لفك الحصار الرسمي العربي عن سورية، والمطلوب أكثر بكثير، حرصاً على مصر،
لا على سورية فحسب.
5- سعي بعض الدول العربية التي تورطت بإغلاق السفارات السورية، تونس نموذجاً، للنزول عن الشجرة العالية التي صعدت إليها، ومحاولة استعادة العلاقات الدبلوماسية على مستوى أدنى من مستوى السفراء، وبطريقة لا تستفز دول البترودولار، وهو ما لا ترضاه سورية بالطبع.
6- تكسير المشروع التركي في شمال سورية، بعد استعادة شرق حلب، ودخول الأتراك في صيغ تفاهم مع الروس تقيّدهم جزئياً في الميدان السوري.
7- تفاقم آفة الإرهاب التكفيري، وتحوله إلى عبء وخطر حقيقي على الدول الراعية له، كما بح صوتنا ونحن ننبه منذ بداية الأزمة، والحاجة لإيجاد صيغ ما للتنسيق مع سورية بشأنه، بطريقة تحاول بعض الدول أن تكون غير علنية.
أضف إلى ذلك، في الحالة الأردنية تحديداً، وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، ومغالاة نتنياهو وحكومته في سياسة الاستيطان والتهويد ورفض إعطاء حتى ما يمكن عدّه تنازلات بسيطة، مثل «وقف الاستيطان»، لتزييت عجلات «العملية السلمية»، والسعي عملياً لتصدير «المشكلة الفلسطينية» إلى الأردن وحلها على حسابه.
لذلك كله، يخيم طيف سورية فوق «قمة» الأنظمة في البحر الميت كنسرٍ عربيٍ سوريٍ محلق.. سورية لا تستجدي العودة لـ«الجامعة»، لقد باتت الأنظمة العربية هي المحتاجة لسورية، وإذا قررت العودة، فلن يكون ذلك خلسة من الشباك.

print