من المؤسف اليوم أن يئن مفهوم العدالة الضريبية تحت وطأة علاقات المنفعة المتبادلة بين الإدارة الضريبية وبعض المكلفين وعلى الأخص الكبار منهم، ومن المؤسف أيضاً أن نتخيل حجم سلبية أداء الإدارة الضريبية عندما يصل الأمر إلى حد الكشف عن تجاوزات مكلّف ما  كصاحبة العقار الذي تحول من سكني إلى تجاري «مطعم» منذ عام 2004 وحتى تاريخه وهي ابنة أحد رجال الأعمال المعروفين في الوسط الاقتصادي والاجتماعي، وعندما اكتشفت الدائرة المالية المختصة أمره قامت بمعالجة وضعه ما أثار غضب الإدارة الضريبية .

في محله القانوني
من المعروف أن بعض المواطنين يتقدمون بطلبات للحصول على قيود مالية للعقارات التي يملكونها لأغراض متعددة ومنها البيع أو نقل الملكية وغيرها، وهذه القيود لا تمنح قبل أن تقوم الدائرة المالية المختصة بالكشف على الوضع الراهن للعقار وهو إجراء قانوني فرضه المرسوم التشريعي رقم /53/ لعام 2006 وتعليماته التنفيذية ولاسيما المادتين /7- 8/ منه التي تحظر على لجان التقدير اتخاذ أي قرار من دون معاينة العقار أو العَرَصَة تحت طائلة المسؤولية المسلكية والجزائية، حتى أن بعض المناطق الساخنة التابعة لمدينة دمشق التي لا تستطيع لجان التقدير الوصول إليها، فقد طلبت الهيئة العامة للضرائب والرسوم مالية دمشق بموجب كتابها رقم /3082/4/13 تاريخ 3 أيار 2015  التقيد بأحكام المرسوم التشريعي المذكور.
ولكن ما الذي حدث وجعل إدارة الهيئة تنقلب على كل ما هو قانوني…؟
في التفاصيل
تبدأ القصة كما يرويها أحمد الفالح الذي كان يشغل رئيساً لدائرة الضرائب المباشرة في مالية دمشق عندما اكتشفت الدائرة المالية عقاراً يقع في منطقة باب توما في دمشق قيده المالي يشير إلى أنه سكني، وقال: لدى الكشف على العقار تبين أنه مستخدم كمطعم منذ عام 2004، فأحيل القيد المالي إلى اللجنة المختصة لتكليفه تجارياً أصولاً.
فتكليف العقار على أساس تجاري يرفع من ضريبة تجارة العقارات عند البيع، فبدلاً من أن تكون 3750 ليرة عند بيعه سكنياً، تصبح مليوني ليرة عند بيعه عقاراً تجارياً، لافتاً إلى أن التأكيدات على ضرورة التقيد بأحكام المرسوم التشريعي رقم /53/ لعام 2006 وتعليماته التنفيذية ولاسيما المادتين /7- 8/ منه كانت الدائرة تتسلمها موقعة من مدير عام الهيئة ولم يحصل أن ثارت الهيئة غضباً عند اكتشاف أي حالة مماثلة في السابق إلا لحين اكتشاف العقار المذكور، مؤكداً أن تصرف الهيئة تجاهه فيه لبس وغموض.
رد انتقامي
في تاريخ 28/1/2015 ردت الهيئة العامة للضرائب والرسوم بكتاب حمل الرقم 570/4/14 ص.هـ على كتاب مديرية مالية ريف دمشق تضمن البيان فيما إذا كان القيد المالي المخرج لشقة سكنية أرضية أو تحت الأرضي واجب الخضوع لكشف الوضع الراهن، فجاء ردها بالتأكيد على مضمون تعليمات وزارة المالية رقم /2526/25/1 الصادرة بتاريخ /3/2/1981 استناداً إلى المادة /22/ المعدلة من القانون /178/ لعام 1945 في المادة أولاً منها «أنه إذا كان العقار المطلوب تبرئة ذمته عقاراً سكنياً أو تجارياً وكان يحوي فسحة سماوية أو سطحاً أو وجيبة أو ما شابه ذلك فيعتمد القيد المالي الموجود لدى الدوائر المالية في جميع معاملاته من دون حاجة لإجراء كشف وضع راهن لكون هذه الكشوف تؤدي إلى عرقلة أعمال المواطن وتضيع وقت الموظفين الماليين من دون أن يكون لها مردود ضريبي يتناسب وما تستهلكه من وقت وعمل كما أن المشرع اشترط تبدلاً أساسياً بالأوصاف الرئيسة للعقار»، ومهما يكن السبب من وراء إرسال مالية ريف دمشق للكتاب المذكور وليكن أن ريف دمشق يعد من المناطق الساخنة بمجمله ولا يمكن للجان التقدير الوصول إليه.
تعليمات ملغاة
وهنا يؤكد الفالح أن التعليمات التي أرسلت إلى ماليتي دمشق وريفها ملغاة لأن المرسوم رقم /53/ لعام 2006 ألغى القانون /178/ لعام 1945 وتالياً فإن كل التعليمات المنبثقة عن القانون الملغى هي ملغاة حكماً، إذ كان لابد من التأكيد على مضمون ما جاء به المرسوم /53/ الذي ألزم بإجراء الكشف أو إصدار تعليمات جديدة تستند إليه، وإن اعتماد إدارة الهيئة على تعليمات ملغاة تنص على عدم إجراء الكشف فهذا يعني منع ملايين الليرات من الدخول إلى الخزينة، وهو ما تنبهت إليه مالية دمشق وراودها الشك من الوقوع في خطأ تطبيق تعليمات ملغاة بموجب مرسوم تشريعي، فأرسلت كتابها ذا الرقم /2700/2/1 تطلب فيه من إدارة الهيئة بيان فيما إذا كانت تعليمات وزارة المالية رقم /2526/25/1 الصادرة بتاريخ /3/2/1981 تطبق بعد صدور المرسوم التشريعي رقم /53/ لعام 2006، وخاصة أن معظم العقارات السكنية ولاسيما الأرضية والأقبية في مدينة دمشق تم تحويلها إلى تجاري من دون علم الدوائر المالية،  وهذا يعني أن الكشف على العقار يؤدي إلى اكتشاف مطارح ضريبية مخفاة كضريبة الدخل والأرباح، مع تنويه مالية دمشق في كتابها المذكور بأن الكثير من العقارات المقدرة لدى الدوائر المالية على أساس أنها عقارات سكنية هي في واقع الحال تجارية.
تهرب من الإجابة
أما المفاجأة غير المتوقعة، فجاءت في رد إدارة هيئة الضرائب على كتاب مديرية مالية دمشق رقم /2700/2/1 المذكور بكتاب حمل الرقم /5768/4/13/ص.هـ، وفيه التفت إدارة الهيئة على طلب مالية دمشق بخصوص بيان الرأي فيما إذا كانت تعليمات وزارة المالية رقم /2526/25/1 الصادرة بتاريخ /3/2/1981 تطبق بعد صدور المرسوم التشريعي /53/ لعام 2006، وطلبت بيان عدد مراقبي التكليف لدى المالية وما الأعمال والمهام الموكلة إلى مراقبي التكليف، وهو رد بعيد عن الإجابة والقصد منه، وحسب تأكيد الفالح أنه هروب من الإجابة الصحيحة والتستر على مخالفة المرسوم /53/، ولكن مالية دمشق أعادت طلبها مرة أخرى على أمل حصولها على الإجابة الوافية من الهيئة فكان رد الأخيرة هو تأكيد للاجابة الاولى فجاوبت مالية دمشق على طلب الهيئة المستغرب.
صمت
ويبدو أن  اكتشاف قصة المطعم المذكور الذي تحول من عقار سكني إلى تجاري وبقي مكتوماً طوال الفترة قد أغضب الإدارة الضريبية، بدليل وجود تعاميم حصلنا على نسخ منها تحمل الأرقام 806/2/0، و3594/3/0 والمتضمنة إجراء الكشف الراهن على العقارات بالقدر المطلوب وعدم إغفال أي إنشاءات جديدة أو تعديلات جزئية كانت أم كلية، كما أن الكشف عن أي من حالات الإهمال أو التقصير أو تقديم الكشوف بشكل مخالف للواقع سيتم التعامل معه كمخالفة صريحة للتعليمات ذات الصلة مع اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بضبط عمل المراقبين، ولكن من يضبط عمل الإدارة الضريبية.

print