من رعيل له كلمته المؤثرة  حول القصيدة واحتمالاتها وعلاقتها بالتراث، في هذه المرحلة حيث تكبر الأسئلة النقدية والإبداعية، يتحدث البعض عن مشكلات تعصف بالشعر على نحو خاص، لكنّ شوقي بغدادي «1928» يرى عكس ذلك تماماً.. هو لا يلغي فناً لمصلحة آخر، ولا يقول بالانقراض والتلاشي لأن هذا يصدق في الفكر ولا ينطبق على الفن.. هنا مكاشفات مع صاحب «عودة الطفل الجميل» حول قضايا نقدية وإبداعية تتعلق بحال «ديوان العرب» في يوم الشعرالعالمي:

• كتبت القصة القصيرة، لكنك تابعت في الشعر.. لماذا تركت القصة وهل هناك جوانب محددة حسمت القضية لمصلحة الشعر؟.
•• يحتاج الجواب عن هذا السؤال وقتاً طويلاً، وربما نحتاج إلى تحليل لنفسية الشخص.. باختصار شديد، هي هموم الحياة العادية التي أثرت في ذلك.. ففي الشعر، هناك ما يسمى «الدفقة الشعرية»، أو «الدفقة الروحية»، فإذا استطاع الشخص أن يصطادها في الوقت المناسب يستطيع كتابتها على الفور ليخرج بشيء جميل.. الشاعر يعبر عما يريد من دون تفصيل وإطالة، بينما في القصة يجب أن يكون هناك حدث وشرح، أو كتابة أشياء خطيرة وممنوعة.. ومن هنا شيئاً فشيئاً تكاسلت عن كتابة القصة، هذا باختصار شديد!.

• معظم مطبوعات الشعر خلال السنوات الماضية تميل إلى قصيدة النثر، وليس إلى قصيدة التفعيلة، أليس هذا دليلاً على مطب ما في الشعر الموزون؟ كيف تفسر ذلك؟.
•• لقد كتبت عن هذا الموضوع عدة مرات، قصيدة النثر أصبحت كما يقال موضة من موضات العصر، حيث لم يعد هناك ما يسمى التقاليد، أو القيود على الكتابة بسبب فكرة الحرية المطلقة بتناول الموضوعات، شعراء النثر تخلوا عن كل تلك القيود، مع إنه يوجد في اللغة العربية تراث عروضي رائع لا مثيل له في العالم كله، لدينا ستة عشر بحراً من أجمل ما يكون من بحور الشعر في اللغة العربية، حتى الامبراطورية الفارسية عندما أصبحت إمبراطورية إسلامية واحتكوا بالعرب أضافوا على التراث الفارسي وزناً عروضياً مستقى من العروض العربية، وهذا يعطي فكرة على أن العروض العربية قديمة جداً وقد عاشت آلاف السنين، ومن هنا لا يجوز إلغاؤها بقرار، صحيح إنني أكتب شعراً تفعيلياً وهو أكثر إنتاجاتي، لكن من حين إلى آخر أعود إلى الوزن العروضي، لأنني أشعر دائماً بنوع من الحنين إلى هذا المناخ.

• الأوزان العروضية الخليلية، هي أوزان صحراوية كُتبت على أصوات أقدام الناقة وكان يغنيها حادي العيس، وعندما دخل المسلمون وسادت اللغة العربية، أصبح هناك فرض لهذه الأوزان على الذائقة السورية والدليل أنه لم تكن هذه الأوزان سائدة آنذاك قبل الإسلام؟ ماذا تقول؟.
•• كانت هناك أوزان سيريانية ورومانية وآرامية .. لكن عندما دخلت الحضارة العربية مصحوبة بالدين الإسلامي.. الفاتحون العرب كانوا مصحوبين بديانة خاصة، ليس كما نرى الآن الغزو الاستعماري الثقافي، فهم لم تكن لديهم حضارة.. كانوا بدواً.. وكان أرقى ما لديهم الشعر وهو ديوان العرب، وقد أدهشوا الفرس وأقبلوا عليه، كما أضاف عليه العرب وفاضوا به عندما رأوا أنه قد نجح بهذا الشكل.. لقد عاش هذا الشعر في العصر العباسي والعصر الأموي، وحتى في عصور الانحطاط  فهذا التاريخ الطويل من الشعر والوزن لا يجوز إلغاؤه.

• هو لا يلغى بقرار كما قلت، لكن من الممكن أن تلغيه الذائقة الجديدة للأجيال!.
•• الحداثة لا تعني إلغاء الماضي، والإلغاء الإبداعي يتغير مع الحداثة، لكن النوعي لا يتغير أبداً، فمن الممكن أن توجد مدارس جديدة، لكن الوزن هو نوع، فعلى سبيل المثال فن رقص الباليه له قواعد ثابتة لا يمكن تغييرها، حيث إن راقصة الباليه لا تستطيع الرقص إلا وفق قواعد وتقاليد معينة، وهي الرقص على رؤوس القدمين، وفي هذه الحالة لا يمكن أن تتعدى أو تخرج عن هذه القواعد، بينما في فن الرقص الحديث تستطيع التغيير في كل الحركات من دون الخضوع لأي قواعد وقوانين، وتالياً هناك تقاليد في الفنون عادة لا يمكن لها أن تزول، فمن الممكن أن تطرأ موجات من الحداثة لكن لفترة قصيرة جداً ثم تزول.. في الماضي اكتسحت أوروبا عدة مدارس أدبية لكنها لم تعش طويلاً، وعندما كنت أسافر إلى أوروبا من حين لآخر، كنت اسأل عن هذا الموضوع، ولقد وجدت هناك من يكتب قصيدة النثر، وفي المقابل مازال هناك من يكتب قصيدة مقفاة في نفس فرنسا.

• يعتقد الكثيرون أن قصيدة النثر موضة وستنتهي في المستقبل؟.
•• لا يمكن قول ذلك، ولا حتى يجوز لقصيدة النثر أن تنتهي، فالناس قد تتغير، حتى الذائقة نفسها قد تتغير أيضاً، فهم يلبون أذواقاً مختلفة ومتغيرة في عهد ما، وهم لهم  حصتهم ويجب أن يأخذوها.. إنني ضد الإلغاء في الفنون، وقد يجوز الإلغاء مثلاً في الفكر، أما في الفنون فالإلغاء يكون صعباً، وليس من السهل على الإطلاق اتخاذ قرار الإلغاء فيه.

• هل يمكن القول: إن أهم قصائدك الشعرية كانت لـ «شوقي بغدادي» غير السياسي.. والبعيد عن الايديولوجيا؟
•• هذا الكلام غير دقيق تماماً، لكن أستطيع القول إنني عندما تحررت من كابوس «الخدعة السوفييتية»، التي تصورت حينها أنها ستجلب المن والسلوى، صدمت بشكل كبير، لكنني كتبت أجمل الأشعار.. اليوم عندما تقرأ الشعر الجديد الذي أكتبه تجد فيه خلفية سياسية مغطاة، حتى في علاقة الحب بين الرجل والمرأة تجد فيها خلفية عميقة سياسية، ففي قصيدة من هذا النوع أذكر فيها «القنبلة الذرية ..»، وأقصد أن هناك قصائد غزل مملوءة بالخوف والرعب.. فالسياسة هي جزء لا يتجزأ من الإنسان، مثلما يوجد الحب والطبيعة والغرام، يوجد أيضاً الوجد والحقد والتعاون والتسامح .

• ما رأيك بالمقولة الدارجة «الرواية ديوان العرب».. وكيف تنظر إلى الشعر اليوم؟
•• رغم وجود العديد من الروايات المهمة.. في الواقع لاشك في أن الشعر قد فقد الكثير من جاذبيته الجماهيرية مؤخراً، لكن لا أعتقد أن يفقدها بشكل نهائي، لكن هذا درس لكل الشعراء ورسالة لهم، بأن العصر يتحداهم ويهددهم في حال لم يخاطبوه أو يخضعوا له، وقد يظن بعض الشعراء الذين يكتبون قصيدة النثر أنهم يلبون العصر، هذا نوع من الاعتزاز الفردي.. لكن الفن ليست له قواعد، هو حر طليق، والحرية ليست مطلقة بالمعنى الكامل للكلمة.. حتى في حياتنا ولباسنا وطعامنا توجد دائماً قيود.. كما توجد احتمالات.. هناك ما يجب تغييره أو إلغاؤه، أما إلغاء القيود كلها فهذا أمر غير سهل، اليوم أقرأ قصائد نثر عبارة عن حكي «جرائد»، حيث أصبحت كتابة القصائد سهلة للبعض ممن يكتبون عدة أسطر ثم يقولون إنها قصيدة نثر!.

• لكن الشاعر محمد الماغوط كتب قصائد نثر عظيمة؟
•• الماغوط، شاعر موهوب، لأن الدفق الذي كان لديه ويمتلكه كان يخرج بشكل عفوي وقد تابع مسيرته على هذا النحو.. ونجح بشكل كبير، ويحسب له أنه لم يكتب بشكل تقليدي.

print