في هذه المرحلة من تجربتي الشعرية، أقضي معظم الوقت في إعادة قراءة الكتب، قراءات أصفها بالروعة والجمال، فرغم أنني سبق  وقرأت هذه المؤلفات منذ سنين ماضية، لكنه الشغف الكبير بالقراءة وربما بسبب اختلاف المزاج والثقافة والتجربة، أو لأن هذه القراءات سبق أن تمت بشيء من السرعة والآن تتم بكثير من الأناة، أشعر بهذا الكمّ من الجمال.
عامان لم أكتب الشعر!. والإنسان في هذه المرحلة يقرأ أكثر مما يكتب، وكان آخر ما كتبته قصيدة طويلة بعنوان «رسيس الأرجوان» وتحمل آرائي في مخاطر الطائفية التي تجلت فيما يُسمى «داعش» و«النصرة» اللتين تعتمدان الحجة الإسلامية من أجل إلغاء الآخرين!.
الشعر مرتبط بحركة الواقع، وعندما يعاني هذا الواقع من خللٍ فاحشٍ، يتضرّر الشعر، وقد تنشأ في الأزمات الكبرى أشكالٌ فنية لكنها ليست منطلقة من الواقع، لكن الشعر يبقى بخير، لأن المزاج الدموي لهذه الأمة هو مزاج شعر. قد تُعاق الحركة الشعرية وتقف أمام حائط مسدود بسبب فداحة الأحداث وظلمها، أنا مثلاً كما قلت، لي أكثر من عامين لم أكتب حرفاً واحداً ولست متشائماً من ذلك، لأنني ألجأ إلى القراءة، وربما كان واحدنا في هذا العمر يجنح إلى الاتكاء على عوالم الثقافة أكثر من الاتكاء على التعبير!.
ليست هناك قصيدة للحرب، ولا يمكننا أن نلتقي بما يسمى شعر الحرب أثناء الحرب، لأن التجربة تحتاج اختماراً ونضجاً، ولكن قد نجد بعض المحاولات التي قرَّ القرارُ فيها فأنتجت نصاً إبداعياً مفرداً ولا يشكل ظاهرةً تسمى شعر الحرب!.
المفردات الجديدة والمفاجئة بسبب الحرب، لابد من أن تتغلغل في ثنايا النص الجديد المواكب، ولكن تبقى هذه المفردات غير مستوية القوام في النسيج الشعري، وينقصها زمن آخر وصحوة بعد كابوس..
إذاً، لابد من وجود فترة زمنية قادمة لإنضاج هذه الأحداث في المخيلة، فالشاعر الذي سيكتب عن الحرب سيكون منتوجُه استشرافياً لما سبّبته وخلفته هذه الحرب أو هذا الحدث، عندما يستشرف الشاعر ما سيحدث يكون  البعد الرؤيوي للموضوع الذي سيعالجه في صميمه مختمراً.
الإنتاج صعب أثناء الحرب، ولابد له من زمان ومكان آخر كمسرح لإبداعه والموضوع بما فيه مرهون بالإنسان نفسه الذي يتعاطى مع خفايا الحدث وعقابيله..
أهم معالم هذا الجيل، أنه يكتب دون أن يقرأ!. الكتابة بلا قراءة تعود إلى هشاشة الجيل الذي لا يحتمل قسوة المعاناة ومرارة التجربة والنّهم الثقافي المطلوب كرافد للإبداع.. لا أقطع الأمل من الجيل، هناك كتابات مهمة من دون شك، فمرة قرأت قصيدة لشاعر تمنيت أن أكون  صاحبها نظراً لجودتها وإتقانها.. هشاشة الجيل كما قلت مرهونة بواقع استهلاكي ضعيف.. كل شيء مؤقت بالنسبة لهذا الجيل للأسف!.
التساؤل بشأن ماهية القصيدة القادمة منطقي، لكن هذه القصيدة لن تختلف إلا في المضمون، فالأسلوب واحد، لأن التجربة هي التي تقترح شكلها، وردود الأفعال تجاه الأزمة متفاوتة ومتباينة في حدتها وشفافيتها.. من هنا أقول إن التسرع لا يؤدي إلى نتيجة مرضية.
التجربة الشعرية تقترح شكلها وتأتي ناجزة، لذلك أنا أعيد النظر بما سيأتي وليس بما حدث!. لنتخيل أن يقوم شاعر بتعديل أو تصحيح قصيدة بعد خمسين سنة من كتابتها!. هذا مضحك من دون شك!.
شخصياً، لا أفكر بالآخر عند كتابة القصيدة، الآخر رديف ومعاون إلى دخول مملكة القصيدة. لم أكن في يوم من الأيام أفكر بأن هذا النص موجه إلى فلان أو فلان، لأن الشعر الحقيقي في رأيي، هو تأكيدٌ على الذات وترسيخٌ لها، أما الآخرون كما قلت، فمعظمهم لا يتقنون اللغة العربية السهلة كما ينبغي ولهذا يسهل على القارىء المقصّر أن يقول فهمت كذا ولم أفهم كذا، فالتقصير والقصور دعامتان في شخصية هذا القارىء.

print