نكشُ جعبة الشعر في هذه المرحلة يعدّ ضرورياً، فديوان العرب لا يخلو من العثرات وربما الاختناقات!. كيف نحتفي بسجل فخرنا وأحلامنا وأوهامنا في آن؟ هل يكفي أن نشحذ الكلمات على نحو تكون فيه أشد مضاء وقدرة على العبور؟ هل يمكن أن تنقلب القصيدة في المراحل القادمة بشكل جذري عما ألفناه في مدونات الرواد والأجداد؟.. الشعر، أو هذا الكائن الانفعالي الجميل والغاضب والمتمرد، إلى أين يسير بنا وعلى أي ضفاف يمكن أن تستقر القصيدة التي لم تتوقف عن طرق أرواح كتّابها.. كأنها إسفين؟. يرى البعض أن الشعر العربي أمام خيارات حاسمة في المرحلة القادمة ربما تنقلب فيها بنية القصيدة بشكل جذري وذلك بفعل تطورات العصر واكتساح التكنولوجيا لمختلف الفنون الإبداعية، هل يمكن أن ينتهي الشعر؟ أو إنه سيتبدل وتختلف أدواته انسجاماً مع التبدلات الهائلة التي تعصف بالوجود بشكل عام؟.
هنا وقفة مع أسماء لها قصّتها مع الشعر والنقد:

د. سعد الدين كليب: يقــــول الشــــــعر.. «مرحـــباً أيهـــا البشــــر!»

يوم كان للشعر آلهة وشياطين، وقلاع ووديان، وكان له أساطيره وطقوسه ومريدوه، كان كلّ شيء من حواليه عيداً له. وكان هو عيد الأعياد في الطبيعة، وفي الوجوه والاحتفالات والأخيلة. أقصد كان الشعر هو الحياة في مجدها وأسرارها، وفي مواعيدها المنتظرة. ولهذا لم يكن ثمة حاجة ليوم محدّد كي نقول: مرحباً يا شعر. غير أننا نحن اليوم في القرية المتفجّرة التي هي وجودنا كله، في القرية التي تأكلها شركات الدم والنفط والأسلحة، في القرية التي يستبيحها أحفاد الجنّيّ الأزرق بأنيابهم وألوانهم وأضابيرهم كافة، أصبحنا أحوج إلى الشعر كي يقول لنا، ولو في يوم محدّد: مرحباً يا بشر.. نعم من واجب الشعر علينا أن نحتفي به، ومن واجبه أن يحتفي بنا أيضاً، ويردّ التحية بأحسن منها. وليس احتفاؤنا أو احتفاؤه من باب سدّ الذرائع، نحن دون الشعر، أي الفنّ، أي الجمال مجرّد ضحايا للقباحة المستشرية، مجرّد كائنات لاهثة وراء بطونها، أو هاربة من عبوات الذبح والاستباحة، وما الشعر بأحسن حالٍ منا، فهو يعرف جيداً أنّه من دوننا لا مجد له ولا وجود. إنّ مجد الشعر بنا نحن الضحايا، نحن الذين نعطيه وجوده الحقيقي. والشعر لا يتوهم أبداً، ولا تخدعه الأقنعة المزخرفة أو تلهيه ألاعيب المهرجين، قد يتلكأ الشاعر بخطواته أحياناً لكن الشعر لا يتلكأ، وقد يُحبط الشاعر في مواجيده أيضاً، لكن الشعر لا يُحبط أو ينهار حتى لو أغرق القرية بأحزانه، فما أحزانه إلا مواعيد الجمال.
مرحباً يا شعر، نقولها ونحن نحلم أن يكون السلام شعراً على أرض الواقع، وأن تكون الحياة شعراً في كلّ ما ابتلعته الحرب، وأن تكون سورية كلها شعراً من شمسها إلى قمرها، ومن برّها إلى بحرها، ومن رضيعها إلى شيخها الحزين، عندها سوف يقول لنا الشعر بالفم الملآن، بموعد ومن دون موعد: مرحباً يا بشر.

عاطف البطرس: صاحــــب القضـــايا النبيــــلة ونصــــرة الإنســـــانيـــــــــة

الشعر من أقدم الأجناس الأدبية وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموسيقا، وهي كما نعرف جميعاً لغة عالمية عابرة للقارات والأجناس توحد المشاعر وتسمو بالأحاسيس لترتقي بها حيث الشفافية والدهشة، والشعر إن لم يكن مدهشاً وشفافاً فقد الكثير مما يميزه عن سائر الأجناس الأدبية، وهو ليس فقط مشاعر وأحاسيس وانفعالات فهو حامل معرفة وله وظائف متعددة نابعة من طبيعته, ومخطئ من يعتقد أن وظيفته الإقناع فقط، فثمة من يقول: كلما اقترب الشعر من مضامينه ووظائفه الاجتماعية ضعفت فنيته وتخلى عن وظيفته الأساسية، تجربة الشعوب تقول: إن الشعر رافق ولازم قضايا البشرية منذ الرقصة الأولى التي عزفها الإنسان تحدياً للطبيعة على طريق تحقيق الحرية والعدالة الإنسانية، فقد حمل الشعراء ألوية الانتصار للإنسان ومقاومة الظلم ومقارعة الاستبداد والعمل على توفير أفضل الجهود لتحقيق إنسانيته المهجورة المطلب الملح لكل إنسان ليعيش في مجتمع يلبي احتياجاته المادية والروحية. هذه الأفكار وهذه القيم إن لم تجد المعادل الفني لها تصبح للاستهلاك اليومي، فالأفكار والقيم مهمة في الشعر, إذ لا شكل بلا محتوى ولكن المحتوى وحده مهما كان نبيلاً وإنسانياً إن لم يجد التعبير الفني عنه لا يستطيع أن يستمر وينتشر بين الناس. إذا نظرنا إلى واقعنا المعيشي نرى أن الشعر من أكثر الفنون استجابة للراهن نظراً لالتصاقه المباشر بالمشاعر والأحاسيس وفي علاقتها الحميمية مع متغيرات الواقع لرأينا أن هذا الفن الإنساني الرفيع يواكب الأحداث ويرقفها من أوحال الواقع ومرارته إلى مصاف الفن وعالم الجمال الذي لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دونه. المجد للشعراء، للكلمة الصادقة والقيم الفنية الرفيعة أينما كانوا لأن كل قصيدة جميلة قادرة على إنهاض العالم من كبوته المتراكمة.

 

صقر عليشي: المدافع الأخير عن الضوء!

الشعر عمل سامٍ رفيع بجوهره، يتغذى من الينابيع العذبة للإنسانية، وهو مدافع عن مناطق الضوء، لا تلين له قناة. وهذا ما يفسر حضوره كضرورة وحاجة عبر تاريخ البشر الطويل الذين لم يفكروا برهة في التخلي عنه، ولن يستطيعوا ذلك لو أرادوا.
وهو وإن تغيرت ملامحه وسماته من عصر إلى عصر.. فهو لم يتغير.. ولن يتغير كصديق حميم يأخذنا إلى نزهات في شعاب الجمال، ومن عدته في عمله هذا اللغة والخيال: اللغة التي يقودها دائماً إلى مناطق جديدة نضرة.. إلى فسحات للدهشة غير معروفة.. والخيال الذي يحدد لون الشاعر ويميزه عن غيره بنوعه ووثباته والتفافاته… وتلفتاته.
تستطيع الجراح أن تعتمد على الشعر، والندى يمنحه ثقته أيام المحن والوهن، هكذا عوّدنا في مسيرته عبر الزمن.
الشعر في سلوكه النبيل هذا، يمنح التوازن للعناصر، ويكبح  جماح الخيبة، ويحمي الحقيقة من السقوط، وهو يجهد في صياغة مبدعة لآلامنا وأفراحنا.
القصيدة كائن لطيف
لها لمستها الواضحة على ريش الحمام
القصيدة خفيفة.. خفيفة
تمشي على الثلج
ولا تخدش البياض
القصيدة كائن مسالم
تتأرجح على نهايات الأغصان
وهي تشدو بالندى
القصيدة ضعيفة.. ضعيفة
تستسلم لأول جمال قادم
تحية للشعر في عيده وهو يملي أناقته على اللحظات… تحية لسورية وقصيدتها الملحمية في البطولة.

print