ها قد ولّى زمن العربدات بكل ألوانها ومسمياتها فماذا أنتم فاعلون أيها  القتلة الإرهابيون؟ وماذا يفعل العبيد إن أدركوا أن سادتهم عاجزون؟ وأن كل ما كانوا يتمنونه قد غدا في مهب الريح، فماذا يأملون؟ وبماذا يحلمون، وقد ثبت أن أي مقامرة جديدة هي ضرب من الجنون؟ وهل تستطيع بلاد العم سام إعادة الرهان الخاسر فأنى يؤفكون؟
ما بعد السابع عشر من آذار 2017م، ليس كما قبله أيها الضالون المضللون، فلعناق الصاروخ السوري سماء فلسطين المحتلة قصة تكتب بألف لون ولون، ولإطلاق صفارات الإنذار الإسرائيلية ارتدادات خاصة يعرف حقيقتها المستوطنون الذين أخذوا يستعدون للهون وما بعد الهون، والدليل الدامغ على ذلك ما يرشح عن إعلام الصهاينة المأفون، على الرغم من الصمت الذي سعى «جنرالات» تل أبيب لفرضه واضطروا صاغرين للاعتراف بجريمتهم أمام الكون، فمتى تعتبرون يا من خُتِمَ على أبصارهم وأسماعهم وغدوا صماً بكماً عمياً فهم لا يفقهون؟.
تناقضات الخطاب الصهيوني
العدوان الجوي الصهيوني الموصوف وفجر يوم الجمعة الماضي ليس حدثاً عادياً، بل محطة أكثر من مفصلية في كل ما حدث ويحدث منذ سنوات في المنطقة بعامة، وعلى الجغرافيا السورية بخاصة، وقد نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن «تغريدة» للناطق باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي «أن سلاح الجو الإسرائيلي أغار على عدة أهداف في سورية، وخلال العمليات أطلق الدفاع الجوي السوري صواريخ مضادة للطائرات، وتم اعتراض أحدها..»، وقال الناطق المذكور: «إنها المرة الأولى منذ ست سنوات التي تطلق  فيها المضادات السورية صواريخ على المقاتلات الإسرائيلية»، وألحق جيش الاحتلال الإسرائيلي «تغريدة أدرعي» ببيان رسمي، قال فيه: إن «المضادات الأرضية أسقطت صاروخاً من عدة صواريخ مضادة للطائرات أطلقت فجر الجمعة باتجاه المقاتلات الإسرائيلية، وتم اعتراض أحدها من قبل منظومة الدفاعات الجوية بصاروخ حيتس في سماء غور الأردن، وإن دوي صفارات الإنذار ليلاً كان نتيجة هذه العمليات العسكرية»، في حين أكدت القناة الثانية الإسرائيلية «أن الطائرات المغيرة استهدفت شحنة صواريخ متطورة كانت في طريقها إلى حزب الله، إلا أن رون بن يشاي المعلق العسكري والأمني في موقع «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلي بيَّن  أن هدف الغارة الإسرائيلية كان «مصنعاً للصواريخ المتطورة بالقرب من بلدة السفيرة» في شمال سورية، وأياً تكن التفصيلات الأخرى فإن المتابع المهتم بما حدث لا يجد كبير عناء لاكتشاف التناقض والتخبط والارتباك في داخل المؤسستين العسكرية والإعلامية الإسرائيليتين، وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من النقاط، ومنها:
1- لماذا لجأ الإعلام الإٍسرائيلي إلى ذكر «عدة أهداف» من دون أن يحدد نوعها وموقعها الجغرافي؟ وهل كان الاستهداف لموقع عسكري على اتجاه مدينة تدمر حيث يتابع الجيش العربي السوري طرد «داعش»، أم لأكثر من موقع كما ادعى الإعلام الصهيوني؟ وهل ثمة رابط موضوعي بين عدوان صهيوني موصوف، والذرائع التي يسوقها حكام تل أبيب هو «لمنع وصول أسلحة نوعية إلى حزب الله» كما يدّعون؟.
2- ادعاء الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي «بأنها المرة الأولى التي يتم فيها إطلاق صواريخ دفاع جوي سورية باتجاه الطائرات الإسرائيلية المهاجمة» غير صحيح، فبتاريخ 13/9/2016م. تم التصدي للطيران الإسرائيلي المعتدي على أحد مواقعنا العسكرية بريف القنيطرة، وتم إسقاط طائرة حربية وأخرى استطلاع، وقد عتَّم الإعلام المعادي بادئ الأمر على ما حدث، لكنه عاد واعترف على لسان الناطق باسم جيش الاحتلال نفسه بإطلاق منظومة الدفاع الجوي السوري صواريخ على الطائرات المهاجمة، إلا أنه أنكر إسقاط أي منها، وهنا من المفيد التذكير أيضاً بأنه بعد مرور حوالي شهر ونصف الشهر أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن تحطم طائرة «إف 16» عندما كانت في مهمة تدريبية، فهل نسمع بعد شهر أو أكثر عن تحطم طائرة أو أكثر من طراز الطائرات التي  استهدفتها صواريخ الدفاع الجوي السورية في هذا العدوان الجديد ولاحقتها حتى سماء فلسطين المحتلة؟.
3- كيف يمكن لعاقل أن يقتنع أن «المستهدف شحنة أسلحة نوعية كاسرة للتوازن» قادمة من عمق البادية باتجاه تدمر، أي أنها تمر بأمان وسلام عبر المناطق التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» الإرهابي حيث ينتشر باتجاه الحدود السورية- العراقية؟ وإذا أخذنا بالرواية الأخرى التي حددت مكان الاستهداف «شمال شرق حلب» فنكون أمام تسطيح فكري واستخفاف مقيت بعقول المتابعين، ومثل هذه الرواية أكثر سخفاً من سابقتها، سواء أكان المستهدف  «مصنعاً أم قافلة صواريخ كورية» كما ادعت بعض وسائل الإعلام الصهيوني، فكيف تم نقل تلك الصواريخ إلى شرق حلب إلا إذا كانت تركيا مهتمة بإيصالها إلى حزب الله؟! ولا أدري إن كان الخيال يصل إلى درجة إمكانية «إطلاقها باتجاه لبنان فيقيم مقاتلو حزب الله الحواجز في الجو ويلتقطونها قبل انفجارها، ويعيدون تركيبها على منصات إطلاق في الجنوب اللبناني»؟!.
4- ورد في كلام الناطق باسم جيش الاحتلال أنه تم إطلاق عدة صواريخ، وأن «منظومة حيتس 2 و 3 تصدّت لأحدها وأسقطته»، والسؤال المشروع هنا هو: وماذا عن بقية الصواريخ التي أطلقت؟ ولماذا اضطر جيش الكيان الصهيوني إلى إصدار بيان اعترف فيه بالعدوان، وقال: «إنه اعترض صاروخاً مضاداً للطائرات، فيما سُمع دوي انفجارات في نطاق مساحة واسعة، من دون أن ترد تقارير عن قتلى أو جرحى»، فماذا يعني أن تسمع أصوات الانفجارات. وليس الانفجارـ في أغوار الأردن والقدس وشمال الضفة المحتلة؟!
5- عندما يؤكد كبار المحللين العسكريين الصهاينة أن الدفاعات الجوية السورية اكتشفت الطائرات الإسرائيلية قبل مغادرتها أجواء الأراضي الفلسطينية المحتلة فهذا يعني أنه تم اكتشاف الطائرات قبل أن تغادر سماء «إصبع الجليل» على أقل تقدير، وملاحقة الطائرات المهاجمة وبعد أن أصبحت في حالة فرار إلى محيط القدس يعني أن ثمة واقعاً جديداً يضع جنرالات جيش الاحتلال أمام قواعد اشتباك تسقط فيها كل الخطوط الحمراء التي تحاول تل أبيب فرضها على أنها ضرورة لأمن الكيان الصهيوني، بغض النظر عن عناد بنيامين نتنياهو وتأكيده بعد ما حدث على سياسة كيانه «بالاستمرار باستهداف ما يراه يشكل خطراً على أمنه»، حتى ولو تطلب الأمر خرق أجواء دولة مستقلة ذات سيادة.
6- إطلاق صفارات الإنذار في القدس المحتلة وما حولها وفق بيان جيش الاحتلال كان حوالي الثانية والنصف فجراً، والبيان الرسمي الإسرائيلي كان بعد السادسة صباحاً، وهذا يظهر مدى الهلع الذي أصاب المستوطنين وقد طلب منهم التوجه إلى الملاجئ من دون معرفة السبب، وأمام ضغط غليان الجهل بحقيقة ما يجري تم إصدار البيان الرسمي لجيش الاحتلال، وإذا أضفنا إلى ذلك حالة حظر الطيران الإسرائيلي فوق الجولان المحتل وكامل الامتداد باتجاه غور الأردن تتضح  حالة الارتباك والتخبط التي خيّمت على الداخل الإسرائيلي، ونكران إسقاط إحدى الطائرات المشاركة في العدوان لا يغير من حقيقة ما حدث، ولا يقلل من أهميته وخطورته، وإلا لما تم وصفه بالتغير الدراماتيكي وفق وسائل الإعلام الصهيونية ذاتها.
7- هذا العدوان الصهيوني الموصوف يجب فهمه في إطار الدلالة الحدثية والمكانية، فالموقع العسكري المستهدف على اتجاه تدمر حيث يتابع الجيش العربي السوري مهامه الميدانية في تطهير المنطقة من تنظيم «داعش» المصنف على لائحة الإرهاب الدولية، و لا يجوز فهم هذا العدوان إلا بكونه دعماً عسكرياً مباشراً لعصابات «داعش» الإرهابية المدحورة أمام الجيش العربي السوري وحلفائه.
من كل ما تقدم وباختصار شديد يمكن القول: إن اعتراف الكيان الصهيوني بالعدوان المباشر والموصوف ليس خياراً بل اضطراراً، ولولا الصواريخ السورية التي عانقت سماء فلسطين المحتلة، وما فرضه ذلك من إطلاق صفارات الإنذار ودفع المستوطنين الصهاينة باتجاه الملاجئ لما صدر بيان عسكري إسرائيلي رسمي، و إن نكران إسقاط إحدى الطائرات الإسرائيلية وإصابة أخرى لا يقلل من مستوى الإرهاب الرسمي الممنهج والمعتمد في صلب استراتيجية تل أبيب، وإذا كان نتنياهو يريد تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل بـ «إطلاق يد إسرائيل» في الأجواء السورية، فالجواب قد وصله بوضوح شديد، والرسالة لا لبس فيها ومضمونها: أن انتهاك سيادة دولة مستقلة غير مسموح تحت أي ذريعة كانت، فالعربدة الإسرائيلية الجديدة لاقت الرد القابل للتدرج، وواهمٌ من يظن أن تبادل الأدوار بين «إسرائيل» وأدواتها إقليمياً ودولياً عبر الاستثمار بالإرهاب يمكن أن يغيّر من حقيقة هذا الإرهاب الممنهج والمرفوض وفق القانون الدولي، وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى أن التصعيد الأخير من جانب تنظيم «جبهة النصرة» الإرهابي ومن معه، ومحاولة خلط الأوراق على اتجاه جوبر ما هو إلا حلقة متممة ومتكاملة مع العدوان الجوي الصهيوني، ولعل أحد الأهداف الرئيسة لذلك تكمن في التغطية على الإخفاق  السياسي والعسكري الإسرائيلي بعد إسقاط إحدى الطائرات الإسرائيلية المهاجمة، ومحاولة خلق حدث جديد يستقطب الأضواء وينسي الرأي العام داخل كيان الاحتلال وخارجه حالة الارتباك والتخبط بعد التأكد واليقين بأن الدفاع الجوي السوري لا يزال جاهزاً، ورجاله متيقظون على مدار الساعة لحماية سماء الوطن وتحصينه في مواجهة مغامرات أصحاب الرؤوس الحامية الذين لا يروقهم اندحار «داعش» ومثيلاته من التنظيمات الإرهابية أمام تقدم الجيش العربي السوري وحلفائه، وإن غداً لناظره قريب.
dr.hasanhasan2012@gmail.com

print