ما كان للفكر أن يتطور وينتشر من دون استلهام الواقع الذي يستمد المادة المعرفية منه،وتهيئة المناخ المناسب الذي يساعد على ترويجه وتأييده، وصولاً إلى العمل بمتقضاه بالسياسات، والإجراءات الملائمة، وكما أن تاريخ الأفكار بحسب بعض النظريات متغير مستقل تتبع له الأحداث فإنه تبعاً لنظرية أخرى يمكن أن يكون متغيراً تابعاً، وعلى هذا الأساس فإن الفكر الذي نادى بتدخل الدولة الرأسمالية في النشاط الاقتصادي بمرحلة النشوء كان قد استند إلى النظرية الأخيرة في صياغة رؤيته الهادفة إلى حماية الصناعة الناشئة والأسواق الداخلية، حتى ظهرت الشركات الكبرى وتطورت، فبرز فكر جديد يطالب بتدخل الدولة لإيجاد أسواق خارجية، وفتحها أمام تلك الشركات التي لم يعد في وسع الأسواق الداخلية استيعاب نشاطاتها، وتصريف منتجاتها، لتظهر فيما بعد الشركات المتعددة الجنسيات، وتشتد المطالبة بإزالة الحدود التجارية، بقصد زيادة تدفق السلع والخدمات ورأس المال بين الدول استجابة للعولمة الاقتصادية والمالية التي احتلت الولايات المتحدة الأمريكية مركز الريادة في قيادتها لدرجة سميت العولمة باسمها «العولمة الأمريكية».
وفي السياق ذاته، يظهر الآن تيار فكري ولكن باتجاه آخر يتمثل باليمين التقليدي والسياسات المحافظة، والرغبة في استعادة أسواق العزلة، وإثارة الشكوك بالفكر الرأسمالي وفلسفة العولمة، وبترجيح صراع الحضارات على ما عداه، وقد بدأ بالظهور في عدة بلدان أوروبية، وفي فكر وتوجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل أكثر حدة، وفجاجة في التعبير والإفصاح عن التشدد في تبني هذا الفكر لجهة تركيزه على العزلة الأمريكية وما سماه «استعادة العزة والكرامة لأمريكا» حسبما جاء في خطاب القسم بتاريخ 20/1/2017، حيث جاء فيه:
-العمل على نقل السلطة إلى الشعب بدلاً من احتكارها من جانب السياسيين الذين «تنعموا بها على حساب إفقار أغلبية السكان الأمريكيين».
-تنمية الصناعة الأمريكية التي أُهملت بسبب التوجه إلى تنمية الصناعة الأجنبية في بلدان أخرى.
-إعادة الثروة الأمريكية التي استنزفت وتم نقلها إلى الخارج.
-تطوير البنى التحتية التي تم إهمالها وأضحت تعاني بسبب التراجع في صيانتها في عدد من الولايات الأمريكية.
-التوجه إلى إعادة النظر في العلاقات والاتفاقيات التجارية وغير التجارية المعقودة مع الصين والاتحاد الأوروبي والمكسيك، وغيرها من الدول.
وكأن ترامب أراد أن يقول أن الإدارة السابقة تركت أمريكا محطّمة، ومتخلفة، وجاء هومن أجل إنقاذها، وإعادة القوة إليها، وإن سبب ضعفها يعود إلى الانتفاخ، والتكاليف التي تتحملها الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج، وإلى تطور علاقاتها الاقتصادية والتجارية وبشكل خاص مع الصين وانتشار الأخيرة الواسع في السوق الأمريكية ومن ثم صعودها الاقتصادي مع الدول الناشئة، والخوف من المخاطر التي يتركها هذا الصعود في إحداث اختلالات في موازين القوى الاقتصادية العالمية التي أقلقت وأخافت الجانب الأمريكي.
لعل أهم ما يؤيد هذا الرأي هو الحملة الشديدة التي يثيرها ترامب ضد العلاقات الاقتصادية والتجارية الخارجية، والتركيز على تصحيح الميزان التجاري الخاسر ولاسيما مع الصين، وعلى ضرورة تحميل الدول الأوروبية ودول الخليج بالتحديد العبء الأكبر من الإنفاق اللازم لتطوير الداخل، وإعادة انطلاق أمريكا من جديد «وهو القائل سنعمل على جعل أمريكا مزدهرة وقوية، ونعيد النظر في الاتفاقيات المعمول بها مع الخارج» وهو من أجل تنفيذ برنامج الرأسمالية التي يؤمن بها يريد المزيد والمزيد من الأموال التي يعمل على تحصيلها من الخارج، ومن الحد من نفقات أمريكا الخارجية، بقصد تقوية الداخل على حساب الزيادة في استنزاف الخارج وابتزازه في موضوع برامج الدعم الأمريكي، وفي رفع نسبة التحصيل المالي مقابل الخدمات التي تقدمها الولايات المتحدة للدول، بحجة «إذا كانت هذه الدول بحاجة إلى قوة أمريكا فيجب أن تدفع لها من أجل زيادة قوتها».
وغني عن البيان القول إن المقصود بكل ذلك هو إعادة وتجديد الرأسمالية على الطريقة الأمريكية، وبما يخدم مصالحها ويحافظ على دورها كقوة مسيطرة خارج حدودها، ومستجيبة لأصوات ناخبي الرئيس والقوى الاقتصادية التي يمثلها ويعبر عنها، وتالياً فإن ما يمكن التأكيد عليه في إطار ما تقدم هو:
-ليست هناك سياسة ليبرالية، أو تدخلية ثابتة، وصالحة في كل زمان وفي مختلف الظروف، والسياسات والآليات تتبدل تبعاً لمصالح الدول، ومتطلبات تطوير الواقع في هذه الدول وتحصينه ضد التقلبات والصدمات الخارجية.
-إن العولمة التي تم الترويج «لفضائلها وضرورة تبنيها» قد تحولت بحسب سياسة ترامب الاقتصادية من «نعمة» أدت إليها عملية انفتاح الأسواق الخارجية أمام الشركات و السلع والاستثمارات الأمريكية إلى نقمة تم التعبير عنها بشعار «أمريكا أولاً»، وبأسواق العزلة عن العالم الخارجي. (جدار المكسيك مثال).
-إن المبدأ الجديد الذي تعتمده الولايات المتحدة الأمريكية، «الدفع مقابل الدعم وتأدية الخدمات»، يتجاهل من حيث الجوهر العائد الكبير الذي يعود إليها كنتيجة لتكريس أنظمة الحكم التي تريد لجهة استمرار هيمنتها وسيطرتها على مقدرات الشعوب وحقوقها في التنمية والتطور، والذي يعد ثمناً باهظاً مدفوعاً مقدماً.
وضمن هذا الإطار يكون إعلان الرئيس الجديد عن استمراره بدعم الحلفاء، بشروط جديدة «الدفع مقابل الخدمات التي تقدمها بلاده» باطلاً ومشوهاً لأن الغرض من تلك الخدمات هو خدمة المصالح الأمريكية أولاً من خلال تمكين أولئك الحلفاء من الملوك والأمراء والحكومات المؤيدين للسياسة الأمريكية من الحكم والاستمرار في السلطة، والتي هي في النهاية قوة سياسية واقتصادية ثمنها مدفوع يضاف إلى كفة الميزان في الجانب الأمريكي، في أثناء المواجهة مع الدول والقوى التحررية المناهضة لسياستها،وتالياً فإن ما يجري هو إمعان في الابتزاز والاستنزاف للعالم بما في ذلك الحلفاء، وتجديد للرأسمالية الأمريكية بآليات وسياسات جديدة تأتي في سياق العمل على تنفيذ الأهداف التي تسعى الإدارة الأمريكية الجديدة لتنفيذها في الاقتصاد لخدمة السياسة وبإجراءات عنصرية استعلائية واستغلالية تنذر بعواقب شديدة التأثير في العلاقات الاقتصادية والتجارية العالمية وفي النظام الاقتصادي العالمي.

print