أعلنَتْ لي يوماً إشفاقها على من يكابد الهوى لأنّه لا يفضي إلا إلى المآسي، لكنّها ما لبثت أن كاشفتني أنّ كلّ التّحصينات التي شيّدَتْها حول قلبها، قد انهارت، لكَأنّ هذا القلب لا يحيا إلا بنقيض المنطق، جامحاً إلى دروب التّيه والغرق والهلاك! انتظرتُ أن تحكي لي قصّة، من قصص الحبّ المستحيل التي «أبدعت» قيمُنا في اختلاقها، هي العاقلة، الدّؤوب، على تفكيك كلّ مُركَّب، لتقول لي في النّهاية، كالعادة، إنّه رجل لا يستحقّ كلّ هذا الإبحار عكس التّيّار، لكنّها سرّحت ناظرَيْها عبر زجاج الشُّرفة المغطّى بغبشٍ خفيف ودخان سجائرها لا يتوقّف عن التلوّي، منبعثاً من منفضة مملوءة بالأعقاب وراحت ترسم حالةً، تدفّقَت فيها جملٌ ومشاعرُ وصورٌ تتركها ناقصة لتبدأ غيرها ثمّ تعود إلى ما تركت، تكمله بشغف وحرارة، ما تلبث أن تهدأ و تتلاشى في ذؤابات الدّخان الفضّية: – إنّه كاتب وشاعر، لم يمشِ طويلاً على البرّ، بل تبع أباه صغيراً، إلى البحر، وأيّ بحر؟ بحرٌ عصيٌّ على فتح بوّاباته إلا لمن يستبصر حقول المرجان والصّخر المتخفّي تحت الماء، وعلى مركبه الصّغير سمع نداء البحار والمحيطات القصيّة التي رأى أَخْيلتَها في قبّة السّماء وحينها أفلت يد أبيه وغادر جزر المرجان، عابراً مضيق باب المندب، حيث لم تندبْه عاشقة، على عادة النساء حين يمضي رجالهنَّ في بحار لا أمان لعواصفها وأنوائها.. هو الذي لم يرتبط بامرأة تستردُّه من الشواطئ والموانئ حين تبرّح بها الأشواق.. حقيقيٌّ أنّ البحّار يترك امرأة له في كلّ ميناء؟ لم أشغَل بالي في الاستقصاء عن غرامه بغير نجم سهيل ومروجٍ أخرى من النُّجوم: السّنبلة والثّريّا والرّامي والميزان! وكانت حبيبتَه، تلك الرّياحُ الآتية من جزيرة جاوه، يلازمها في الصّيف، جنوبيّةً غربيّةً ويفارقها في الشّتاء شماليّةً شرقيّة، مدوّناً في مفكِّرته: فتْحُ البحر وغلْقُ البحر! كم كان جميلاً حين اقتحم البحار وحوّلها إلى منتدى، اجتمع فيه القباطنة والملّاحون والصّيادون والمغامرون ليعلّمهم أسماء الأنواء والعواصف والجزر والتّيّارات والأرخبيلات، يحكي بلغاتهم حيثما بات لياليه، في قمرات السّفن أو تحت سقوف الخانات: عربيّة وفارسيّة وسنسكريتيّة وسواحليّة؟ كم كان وسيماً وهو يهدّئ الأمواج فتخضع له وتصغي إلى أراجيزه الشّعريّة عن لؤلؤ البحرين وأسواق الهند وتوابلها وتبذُّل البرتغاليين الغزاة على شواطئ أفريقيا وآسيا..–حسناً، من يكون هذا المحبوب؟ – شهاب الدّنيا، سيّدُ البحار عبر العصور و طيبُه في أنفاسي رغم أنّه غادر هذا العالم منذ ستمئة عام! – هذه ألقاب لاسمٍ علمٍ، أليس كذلك؟ – بلى! إنّه أحمد بن ماجد، صاحب كتاب «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد» الذي شعرت أنّه رسالة خاصّة لي وأحببتُ من ألقابه «ليث اللّيوث» بعد أن وقعتُ في هواه، من دون أن أكابد مرارة الغيرة والتملُّك والهَجْر والحقد، لأنّ صوته يأتيني مع كلّ شمْألٍ وريح صَبا، يروي أساطير الماء وحكايات الناس في البيوت والمراكب والسّواحل والموانئ.. أوَليسَ رسّامُ المحيط على صفحة السّماء هذا، جديراً بالهوى؟ أوَليسَ قلبي المحصَّن قد اختار وليس بيدي أن أخادعه وأردعه؟.

print