لو سألتم شاعراً ما: كيف ترى أيامَك القادمة؟، لأجابكم ربما: «لا يدَ لي فيما يُخفيه الغيبُ منّي وعنّي، لكنني أرغبُ في أن أصيرَ شامةً على خدّ حبيبتي».. لكن لو سألتم أيّ سوريٍّ، في «اليوم العالمي للشعر» هذا، أو «عيد الأم» ما الذي تتمناه؟، لأجابكم ببساطة وبكل يقين: أن تنتهي هذه الحرب اللعينة بلمحة عين!.
فهناك فرقٌ جوهريٌّ بين قصيدةٍ عن الوجع؛ والوجع ذاته، بين خطابٍ بطول صفحتين عن الألم؛ والألم المنقوش على الجسد كالوشم، بين صورة امرأة في القصيدة/الحلم، وصراخ امرأة مقطوعة الذراعين جالسة بكامل قهرها ورعبها على سرير في مشفى.. بين أن تقرأ أو تكتب قصيدة رثاء، وأن يكون من تدفنهم بيديك هم قطعةٌ من روحك!.
كنا نقرأ محمود درويش، الذي طالب اليونيسكو بتخصيص يوم للشعر بكونه «روح الإنسانية..وجسد العالم»، يقول في قصيدته «لاعِبُ النرد»: «أمشي، أهرولُ، أهوي، أعطشُ، أهذي، أئنُّ، أجنّ، أعلو، أسقط، أُدمي، ويُغمى عليّ..»، بل بات أيُّ واحدٍ منّا، بعد كل تلك الفجائع، قادراً على أن يقول: أنهَضُ كـ«الملسوع»، أسابق الريح كـ«الشنفرى»، أطوي الزمن كـ«أخيل»، أنزِفُ، أسقطُ، أهذي كـ«مجنون ليلى»، أُشرَّدُ كالمجذوم إلى منفىً للقلب والروح والطِّيبة وضحكات الندامى.. وأشْرُدُ في غيماتٍ عائداتٍ إلى عذوبة النبع، وحبق الدار، وعِنَب الدالية…
فبإمكان الشعراء أن يجعلوا من «بيتِ الشّعر» بيتاً للمُقام وسُكنى لأرواحهم وأرواحنا، وحياةً كاملةً حتى في نقصانها، لكن هل بإمكاننا بعدُ أن نجعلَ من كل هذا الفقدان الحائم حولنا قصائدَ نسكنُ إليها؟!.
نعم.. أعتقد أنه بإمكاننا ذلك، إذ لا دورَ لنا فيما تصنعه المصادفات، لكن من حُسْنِ حظّنا أن الحبَّ يتفتّح فينا، في كلّ «نوروز»، كزهر اللوز، وأنّ أمهاتِنا زرعننا في هذه الأرض قمحاً، لنكبر ونُحيي ذكرهنّ ونحتفي بهنّ ورداً وفلّاً وياسميناً.. فللشعر يومٌ.. وللأمهات الأبد!.

javados2004@yahoo.com

print