كل أنواع الصور متاحة في هذا السديم الذي نحياه، الكاميرات تراقب الجميع، الكاميرات في أيدي الجميع، في أجهزة الهواتف المحمولة والمطارات وأماكن التسوق والمصاعد الكهربائية.. تدير الكاميرات حياتنا، نتفرج عليها وتتفرج علينا، ينظر كل منا للآخر كمن نسي من يكون: هو أم المرآة التي يقف أمامها طوال الوقت. بهذا المعنى تصبح الفنون البصرية لعبة من لا لعبة له، وعمل من لا عمل لديه، ولاسيما فن السينما الذي اقترب كل إنسان في هذا العالم تقريباً من أن يكون مُخرج نفسه. يكفي أن يضغط زر البث المباشر على صفحته الشخصية على الفيس بوك كي يبدأ التصوير، وعبر هاتفه النقال يعلن عن (فيلمه) الفريد مخاطباً آلاف البشر!.
ما الذي يفسر لنا تضاعف عدد مهرجانات السينما في العالم، حتى وصلنا إلى مهرجانات ما يسمى بـ ( أفلام الموبايل). أجل لم تعد السينما ذلك الطقس الأسطوري الساحر، إلا اللهم ما يخص (هوليوود) وبعض بلدان الغرب التي تشكو هي الأخرى من تفاقم عدد المخرجين ودهاقنة الصورة، الجميع بات مخرجاً سينمائياً لا يشق له غبار، لكون (الصور اليوم على قارعة الطريق) صور على صور على صور، حتى يخيل لنا أننا بتنا نعيش في غابة لا نهائية من موشور الصور، بداية من كاميرات المراقبة وانتهاء بـ(السيلفي) هذه الصرعة التي وحدت الذات والموضوع، جاعلةً من ملايين البشر ذاتاً وموضوعاً في آنٍ معاً.
هكذا سنقرأ عن أفلام ومهرجانات ومخرجين ومخرجات ما أنزل الله بهم من سلطان، ضاربين الكف بالكف، هل من المعقول أن يتحول البشر إلى صنفين وراء الكاميرا أو أمامها؟ إن الجائحة عظمى والخطب جلل، فكيف ستقنع كل هذه الحشود من (العباقرة) أن ما يقومون بتصويره لا يمكن أن نطلق عليه سينما؟ كيف ستشرح لهم الفارق الجوهري بين الفيلم و(الفيديو كليب) أو بين (الشريط السينمائي) و (طرائف الفيديو المنزلي)؟ أجل لقد ألغت العولمة كل المعايير وأطاحت بكل الاعتبارات، إنها (فيالق من الحمقى) على رأي الكليم إمبرتو أيكو، فيالق من حملة الهواتف ونشطاء التواصل الاجتماعي، سرّبت وباءها إلى فنون مرموقة، ففرغتها من محتواها المعرفي والذهني والجمالي على حساب الاستعراض و«النطوطة» وإنتاج الجهل وقلة الذوق بغية الحصول على نجومية مارقة وزعامة كرتونية.
المفارقة أن هؤلاء يجدون دعماً متواصلاً ويعاملون على أنهم أطفال أو مراهقون ولا ضير من فسح المجال أمام ترهاتهم كي (يثبتوا ذاتهم) لكن الطامة كبرى أيها الأصدقاء، إن هذا السلوك الجماعي ومحو المسافة بين الحشد والنخبة ينمو باتجاهاتٍ غير محمودة العواقب، ومن يقلد اليوم (جوائز) على ( قمامته البصرية) ويحاكي أسلوب نجوم الأوسكار في نمط (المهرجانات الخلبية) لن تردعه بعد ذلك ذائقته السقيمة، وقصوره الفني، وولع هؤلاء بالصور وتحريكها لن يؤدي بنا إلا إلى الهاوية. هاوية كل شيء، كل فن وكل خبرة وكل جهد أصيل وصادق.
إن إنتاج نجوم من هذا النوع سيفتح الباب واسعاً على مهالك لا تحصى، أفلام بلا نصوص ولا رؤيا فنية ولا خبرة ولا دراية ولا معرفة، أفلام القرن الواحد والعشرين هذه صارت أكثر من مشروع (سينما بديلة) أو ( سينما مراهقين) أو (هواة) سموها ما تشاؤون، إنها أمست سينما تكريس وعي فقير وخاطف وعاصف، وعي فقير بإمكاناته وقدراته، ثم إنه ليس نابعاً من مجتمعاته المحلية، بل هو نتيجة تحولات تاريخية كبرى على ظهر هذا الكوكب، نتيجة جعلت من الكتابة طرفة ومهزلة، وقدمت ( الصورة كعنصر أقوى من ألف كلمة) صحيح أن الصورة نص، وهذا كلام لا غبار عليه، لكن من هو المصوّر؟ كم يعرف عن سيكولوجية الصورة ووظيفتها وقدراتها الخلاقة؟ ما الفكر الذي يتحكم بإدارة هذه الصور ومن المسؤول عن تصديرها على أنها فتح جديد؟
هذه المناكفة لا أفتحها لسجال بل لتفكّرِ وتأملٍ هادئ بعيد عن الحذلقة والجدل العقيم، فالباب المفتوح اليوم لتشريفات من هب ودب على سجادة دامية، سوف يعرف غداً أي خطأ ارتُكب وأي مهزلة وقعت وما زالت تتابع خطاها. ركام فوق ركام لا يمكن أن نستثني منه سوى القليل القليل من تلك التجارب التي تشرب وتأكل من خبرات عابرة وخفيفة وسطحية، والمصيبة أن الكارثة تتفاقم، وحشود المخرجين تتكاثر كالفطور الجلدية. لا ليست ردة عن الشعر والقصة بل هي احتقار وتعالٍ على كل صنوف الأدب بحجة التجريب، التجريب فينا وبنا وعلينا.
مثل هذا الاختراق لم يعد لنا منه مهرب، لكن على الأقل سأكتب عنه هنا، رافعاً رأسي وأنا خائف من قناص يحمل كاميرا فائقة الدقة، ويوجهها نحوي بتصابٍ ونرجسية، فالكاميرات متوافرة ومتاحة وسهلة الفك والتركيب، كاميرات فوق كاميرات لا شغل لها ولا عمل سوى تسجيل نقاط إضافية، من دون رادع من جمال أو معرفة، من دون أن يقرأ هذا أو هذه كتاباً أو يفتحوا جريدة أو يشاهدوا فيلماً؟ فما حاجة هؤلاء إلى ذلك؟ إنه النمط الاستراتيجي للخراب المبين، هؤلاء يعيشون داخل الكاميرات لا أمامها ولا خلفها، إنهم مجرد ( فلاش) ساطع في وجه الحرية.

print