لا يمكنك معرفة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية ومنها «داعش» من دون الوقوف على تاريخ تلك التنظيمات، فالوصول الدراماتيكي اللافت لتنظيم «داعش» الإرهابي على الساحة الدولية أوقع الغرب في دوامة من القلق والرعب، وخاصة مع تنامي دور تلك التنظيمات الإرهابية في استقطاب الشباب بشكل خاص، والأهم هو ما وقعت فيه السعودية من تناقض واضح في  دعم ومواجهة تلك الظاهرة، فهل سينقلب السحر على الساحر؟ وهل ستبقى السعودية في منأى عن خطر الإرهاب الذي قد يهددها قريباً وفي أي لحظة؟ هذا ما طرحه أليستر كرووك في صحيفة «الهافينغتون بوست»، مؤكداً أنه لا يمكن ذكر الإرهاب من دون أن يتبادر إلى الذهن العودة إلى تاريخ الوهابية في السعودية.
وجاء في مقال كرووك: بداية لسنا بصدد الحديث عن الإسلام بمفهومه السلوكي والعقائدي، فالبحث في هذا المجال لن تكفيه صفحات وصفحات، لكننا أمام تساؤل يطرح نفسه بقوة: ماذا عن الجانب الآخر في الإسلام؟
عند الحديث عن الإسلام في السلوك فهو باختصار السلام في الأرض، فالمسلم، حسب التسمية، هو كل إنسان مسالم لا يعتدي على أحد، وعليه فإن كل مسالم هو مسلم بغض النظر عن عقيدته واتجاهه ومذهبه وفكره ودينه، أما في العقيدة فهو الاستسلام والانقياد لله وحده، من دون غيره، وطبقاً للسلوك فإن كل دعاة السلام في العالم هم من كبار المسلمين وإن لم ينطقوا بشهادة الإسلام، غاندي ومارتن لوثر كينغ ومانديلا وغيرهم من دعاة حقوق الإنسان، حتى الغربيون منهم هم مسلمون حقيقيون في مجال السلوك.
لفهم مشكلة الإرهاب لا بدّ من العودة إلى جذورها، فمن أين نبدأ؟ هل نبدأ من الأساس التاريخي للجزيرة العربية بعد ظهور الإسلام؟
هذا يجيب عنه كتاب «جذور الإرهاب في تاريخ العقيدة الوهابية» للكاتب أحمد صبحي منصور، حيث يشير في كتابه إلى أن الدّولة السّعوديّة الأولى  بدأت عام  1945 بالتّحالف الشّهير بين محمّد بن سعود ومحمّد بن عبد الوهاب، ولم تكن هذه الانطلاقة إلاّ واحدة من التّاريخ الدّموي لهذه العقيدة السّياسية في نشأتها، المذهبية في امتداداتها. أمّا الدولة السّعودية الثانية، فقامت على أنقاض الدولة الأولى، إذ ظنّ الكثيرون أنّ القضاء على الدولة السعودية الأولى عسكرياً سيُرِيحُهم من هذا المد، لكن مواجهة الدولة الإيديولوجية لا يتم بمجرد القضاء عليها عسكرياً، إذ لا بدّ من مواجهتها فكرياً من داخل الدين نفسه، وما لبث أن تم القضاء على الدولة السعودية الثانية بسبب تصارع أمراء بني سعود وظل الوضع على تلك الحال إلى أن تم تأسيس الدولة السعودية الثالثة بمساعدة «إخوان نجد» المتطرفين، والذين اختزل فكرهم المتطرف في ثلاثة عناصر أساسية وهي: كراهية الآخر وتكفيره واستحلال دمه وماله.
وقد خصص منصور مجموعة من الملاحق التي تصب في تاريخ الإرهاب وجذوره وتأثيراته، يتوافق بذلك مع الباحث كرووك الذي وثق في مقاله الذي نشره في صحيفة «الهافنغتون بوست» أن النخبة الحاكمة في السعودية تنقسم إلى قسمين: الأول عبر عن موافقته لـ«داعش» معتبراً أنه «دولة إسلامية» جديدة تتشكل في قلب ما يمكن أن يعدوه إرثاً تاريخياً يتبع الإيديولوجية السلفية المتشددة… أما القسم الآخر، وهم الأكثر خوفاً واضعين نصب أعينهم تاريخ الثورة ضد عبد العزيز، فالأغلبية منهم مستاؤون من المذاهب المتطرفة ويعدون ذلك مقدمة لمعرفة بعض من جوانب الاتجاهات السائدة في السعودية ولغة الخطاب هناك.
لفهم الإرهاب وكل ما يمثله من مجموعات متطرفة لابدّ من استيعاب الازدواجية الكامنة في صميم البنية العقائدية للسعودية وأصولها التاريخية.
ما لاشك فيه أن التنظيمات الإرهابية، وإن اختلفت مسمياتها، تتفق مع الوهابية في كثير من النواحي وهي تشكل تهديداً للعالم كما تهدد السعودية ذاتها في المستقبل الذي ربما لا يكون بعيداً، فاستراتيجية الوهابية تشبه استراتيجية «داعش» اليوم والمتمثلة بإخضاع الناس وغرس الخوف. فهل يُنظر إلى «داعش» على أنه الوهابية المعاصرة؟ ؟
عن «هافينغتون بوست»

print