تعرضت المنطقة العربية لحالة استعمارية جديدة في بداية العقد الحالي، بعد نهاية ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن الذي تحالف مع «المحافظين الجدد» لتنفيذ مخططات استعمارية في المنطقة العربية، حيث بدأت فعلياً باحتلال العراق، وتكرّست بعد وصول باراك أوباما للبيت الأبيض قبل ثمانية أعوام.
بدأ مخطط الاستعماريين الجدد بالتنفيذ من خلال أحداث ما يسمى (الربيع العربي) وغزوات تغيير الحكومات في الدول المستقلة ذات السيادة المناهضة لمشاريع الإمبريالية العالمية، وتزامن ذلك مع انتشار أفكار الوهابية المتطرفة والإرهاب التكفيري الذي دعمته ووجهته واشنطن بأموال سعودية وقطرية، وبدأ الإرهاب يضرب دولاً بعينها، وبوساطة حروب الوكالة، دعم نظام بني سعود ومشيخة قطر مرتزقة وإرهابيين تكفيريين لزعزعة استقرار هذه الدول.
وإلى ذلك، وبعد انتشار الإرهاب والتطرف ليضرب مدناً أوروبية في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وغيرها، انتشرت تكهنات متعددة عن انتماءات منفذي هذه العمليات الإرهابية، وبعيداً عن كل هذا، أصبح الإرهاب التكفيري الذي تدعمه واشنطن والنظام السعودي يتهدد العالم أجمع، مع حقيقة أن نظام بني سعود هو منبع التطرف والإرهاب التكفيري، حيث أصبح يقع على عاتق العالم كله وقف هذا المنبع.
ومن أجل التغطية على جرائم الإرهاب التكفيري في العالم، كان النظام السعودي يشارك بـ «حملات تضامنية» كاذبة مع ضحايا الإرهاب الذي يدعمه، ولم يكتف بالسعي لتعزيز الوهابية والتطرف والتعصب على المستوى المحلي فقط، بل عمل على نشره  بشكل سريع في الخارج، وقد أنفق بنو سعود أكثر من 100 مليار دولار لنشر الوهابية وتعاليمها في العالم، وخاصة على مدار العقود الثلاثة الماضية.
ومن خلال ذلك، فإن حملة بني سعود لنشر «أفكار» متطرفة، تأتي ضمن سياق مخطط استعماري للقضاء على الإسلام المعتدل ذي التعاليم السمحة. وبالرغم من القلق الدولي إزاء الكم الهائل من التطرف والإرهاب، مازالت دول كثيرة في العالم تدعم بني سعود وتعزز حضورهم دولياً، فمثلاً، ومن خلال برقية كشف عنها «ويكيليكس» وبوضوح آنذاك، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون: «إن المانحين في السعودية، ما زالوا حتى الآن يشكلون مصدراً مهماً لتمويل الإرهاب التكفيري حول العالم»، وهناك الكثير مما يجب القيام به، بعد أن أصبح نظام بني سعود قاعدة دعم مالي «للقاعدة»، و«طالبان»، وبقية الجماعات الإرهابية، فهناك عدة برقيات إلكترونية كشف عنها «ويكيليكس» تتحدث عن قيام سلطات بني سعود بتمويل الإرهاب والتطرف في العالم.
وفي الآونة الأخيرة، لم يكن الوضع أفضل من سابقه، فقد سببت تصريحات صادرة عن نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ضجة كبيرة عندما قال: (إن حلفاءنا في المنطقة العربية هم مشكلتنا الأكبر،  ولما قاموا به من ضخ مئات ملايين الدولارات وعشرات أطنان الأسلحة للإرهابيين التكفيريين الذين هم جماعات تنتمي لـ «القاعدة» كجبهة «النصرة» الإرهابية. وأصبح الدور السعودي بذلك تحت المجهر في تعزيز التطرف، وبدأت الدعوات لرفع السرية عن وثائق تثبت تورط أشخاص سعوديين بأحداث أيلول الإرهابية… وفي تصريحات وبيانات صادرة وجهت أصابع الاتهام مباشرة وبشكل قوي لبني سعود كمساهم أساس في أحداث أيلول الإرهابية، فقد تحدثت مصادر إعلامية عن بني سعود: بالقول (لم تتوقف سلطات بني سعود عن سعيها لنشر مفاهيم وأيديولوجيا الوهابية السعودية، أما جماعات تنظيم «داعش» الإرهابي، فهي نتاج هذا الدعم السعودي). وقد تحدثت وثيقة نشرها «ويكيليكس» عن وصول الدعم السعودي للإرهاب إلى باكستان ويقدر بأكثر من (100) مليون دولار سنوياً، من خلال منظمات إسلاموية متطرفة، فبعد حملة الانتقادات الدولية الموجهة لبني سعود، بدأت سلطات بني سعود بتغييرات ظاهرية غير حقيقية وشاملة للمناهج التي ما زالت متخلفة ومتعصبة، والتي تتضمن نشر أيديولوجيا تحمل الكراهية تجاه الآخر.
وفي طبيعة الحال، هناك تواطؤ واضح من واشنطن ودول أخرى لتعزيز الأيديولوجيا المتعصبة وذلك لمواجهة دول بعينها، فقد تم إرسال آلاف الإرهابيين من مملكة بني سعود للقتال إلى جانب مرتزقة إرهابيين في أفغانستان، ومازال الكثير من الدول يعاني وطأة إرهاب بني سعود التكفيري، وخاصة الدول الإسلامية الفقيرة، حيث يتم استغلال الفقر لتعزيز التطرف والتعصب.
ولطالما بقيت العلاقة بين التنظيمات الإرهابية ومشيخة قطر موضع تساؤل، إلا أننا أمام واقع واضح ومثبت بالوقائع والاعترافات عما تحدثت عنه مصادر دبلوماسية ورسمية وإعلامية في بريطانيا وواشنطن. فقد تحدثت الصحافة الغربية عن تورط العائلة الحاكمة في قطر في دعم وتمويل التنظيمات الإرهابية التكفيرية في ليبيا وسورية والعراق، ولم يكن هذا مجرد ادعاءات، بل أصبح حقائق موثقة، أكدها مسؤولون غربيون وكبار الصحفيين، وعلى رأسهم الصحفي المخضرم سيمور هيرش الذي كشف عن وثائق أمريكية تفضح تعاوناً كاملاً وعميقاً لواشنطن مع تركيا وقطر في مساعدة الإرهابيين، وفي مقال نشرته مجلة (لندن ريفيو أوف بوكس) قال هيرش: «إن إدارة أوباما قامت بتأسيس قنوات تسلل خلفية بالتعاون مع قطر وتركيا عام 2012 لتهريب الأسلحة والذخائر من ليبيا عبر جنوب تركيا إلى  الجماعات الإرهابية في سورية.
ويضيف الصحفي الأميركي: (إن المستفيد الرئيس من هذه الأسلحة هم الإرهابيون، وذلك استناداً إلى اتفاق سري عقده الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والنظام الفاشي في تركيا عام 2012، وينص على تمويل قطري- تركي ودعم من الاستخبارات الأمريكية والبريطانية لنقل السلاح من مخازن ليبيا إلى الإرهابيين في سورية).
وفي النهاية، تبقى مسؤولية العالم أجمع كبيرة وواسعة النطاق في التصدي لهجمات الإرهاب التكفيري ومخططات الاستعماريين الجدد الساعية لإغراق العالم بحروب ونزاعات وفوضى لا نهاية لها.
فإذا استطاع العالم الانطلاق سريعاً لمواجهة الإرهاب والتطرف، فما عليه إلا توجيه تهديد مباشر للدول الراعية والداعمة للإرهاب في العالم وأولها معظم الدول الخليجية بعدم شراء نفطها، فقد أصبحت المزاعم الأمريكية بشأن «مكافحة» الإرهاب تثير السخرية بشكل كبير، وخاصة مع قيام الدول الخليجية بدعم الإرهاب مادياً ولوجستياً، إذ يعمل بنو سعود تحت إمرة ضباط ومسؤولين أمريكيين. وهذا ما يحتاج إلى جهود دولية كبيرة جداً لمواجهة الإمبريالية العالمية، التي، كما تبين، مستعدة لإشعال أي نوع من الحروب في سبيل تمرير مخططات استعمارية والحصول على امتيازات ما في أي منطقة من العالم.
عن «هافينغتون بوست»

print