رغم وضع الكثير من العصي أمام عجلات منتجاتنا الزراعية، التي تستحق بجدارة وسام «الاستحقاق» لقدرتها على تلقي الصدمات لكنها استطاعت ببركات «شقيقتها» الصناعية المتشابهة بالهموم والأوجاع إيقاف اقتصادنا على رجليه، وسند جرة ذاك المواطن بقروشه القليلة بتلك «البحصة» الاستراتيجية لتفادي ضربات الغلاء الثقيلة على جيبه، وسط تعجب «دول الشر» -التي لم تترك وسيلة لتحقيق انهيارنا الاقتصادي دون الظفر بغايتها – من «منقذنا» الذائع الصيت الذي بات معروفاً للجميع باستثناء صناع مطبخنا الاقتصادي، الذين لا يزالوا يواصلون القفز فوق الأسطحة وتفضيل حرف البوصلة عن الزراعة مع أن أصوات العارفين بقيمة كنزنا قد بُحّتْ بعد صراخها المتواصل للتأكيد أن اقتصادنا زراعي بامتياز لكن «الطناش» ظل مسيطراً اللهم إلا إعلامياً.
سياسة «التعامي» والإصرار غير المبرر على تجاهل ميزة اقتصادنا السحرية يبرز جلياً بعدم شموله بعطف أصحاب الشأن لتصدر قرارات عديدة خلال سنوات الحرب شكلت ضربة قاصمة لظهر المنتج الزراعي كرفع سعر المازوت ورفض استثنائه من هذه اللكمة الموجعة لتكون النتيجة هجر فلاحين كثر لأرض ظلوا متمسكين بها رغم الويلات, لكن تكاليف الإنتاج المرتفعة وخسائرهم الكبيرة أجبرتهم على هذا الترك الكارثي، فالحصول على سلتنا الغذائية رهن خيرات هذا الفلاح وبركة أرضه إلا إذا كانت نكهات السلع المستوردة تلقى استحسان «الحليمات الذوقية» لمسؤولينا ويرغبون بتعميمها، على مبدأ «من ساواك بنفسه ما ظلم».
ضرر هذه السياسة تتسبب أيضاً بضعف حركة صادراتنا وقوة منتجنا الزراعية بميزاته النسبية، التي سهلت دخوله إلى الأسواق الخارجية رغم الحصار الاقتصادي لينافس بشراسة منتجات مماثلة تعيش دولها رخاءً واستقراراً، ما ضيّع مليارات الليرات على اقتصادنا لمصلحة اقتصاد دول مجاورة وسط انتعاش التهريب المتروك حبله على غاربه، بشكل قوّى شوكة المهربين والفاسدين، الذين باتوا خبراء بأصوله ليبنوا شبكة منظمة نخرت جسد مؤسساتنا وتمددت مطمئنة على مصالح رؤوسها الكبار.
«حربقة» الفاسدين وقدرتهم الخارقة قد تسفعهم ربما على جعل «الفساد» منتجنا التصديري الجديد مدعومين بثقة «الشفافية» الدولية التي أدرجتنا ضمن مراتبه الأولى، لذا لا عجب أن يطيح بمنتجنا الزراعي وسط تفوق منظومته بدعمه وخاصة أن منظومتنا الزراعية تكتفي فقط بدعم إعلامي، لا يطعم فلاحنا، أساس أمننا الغذائي حاليا ًومستقبلاً، لا خبزاً ولا زعتراً.
rihabalebrahim@yahoo.com

print