بدأ حكواتياً مغرماً بالقصص التقليدية الشهيرة مثل عنترة والزير سالم، ثم أصبح من المؤسسين للقصة السورية الحديثة، تجربة انطوت على إشكالات سببتها قناعاته المختلفة وعلاقته بالمحيط الاجتماعي والإبداعي، هذه القضايا حضرت على مائدة ملتقى السرد أحد ملتقيات دمشق الثقافية التي تقيمها ثقافة دمشق، الذي أراد أن يحتفي بسعيد حورانية، أو كما سماه مشرف الملتقى عاطف البطرس: «كاتب الرفض والتمرد»، ليكون هذا العنوان مدار نقاش بين شخصيات خبرت حورانية جيداً وعرفت خبايا تجربته ومكامن القوة والضعف لديه..
التساؤل عن سبب توقف سعيد حورانية عن الكتابة طوال العقود الثلاثة الأخيرة من عمره، كان بداية موفقة لمداخلة الكاتب جمال عبود الذي جمع نقاطاً ميزت تجربة حورانية أهمها أنه أحد المؤسسين للقصة السورية وأحد مؤسسي رابطة الكتاب السوريين التي تعد، كما يقول، الأب الشرعي لاتحادات الكتاب العرب.. يفسر عبود توقف سعيد حورانية عن الكتابة بتوقفه عن الدهشة!.
الشاعر شوقي بغدادي سرد قصته مع سعيد بشكل مختلف ومفاجىء، فهو الصديق الأقرب بالنسبة لذلك كانت المكاشفات عالية وحساسة وربما تقال للمرة الأولى على هذا النحو الشفاف..العلاقة بين بغدادي وحورانية تعود إلى أيام الدراسة في مدرسة جودت الهاشمي. يقول شوقي:
«كنت تلميذاً مشاغباً وشاعراً.. وكنت غالباً ما ألبس «شورتاً» قصيراً بينما سعيد يلبس «شورتاً» تحت الركبة وكان يحاول التعرف إلي.. سألته لماذا: قال أنت رياضي وتلبس شورتاً وتكتب شعراً..!». الحادثة أراد منها بغدادي الإشارة إلى منبت حورانية المحافظ في حي الميدان، والذي بسببه نال لقب «كاتب الرفض والتمرد» الذي كان عنوان الندوة، فحورانية سيضطر خلال السنوات اللاحقة للتمرد على منظومة كاملة من العادات والتقاليد وتلك كانت البدايات لدخوله القوي عالم القصة..
يرى شوقي أن الانعطاف الأول في حياة حورانية كان عندما تم تعيينه للتدريس في الحسكة حيث انقلبت البيئة بالنسبة إليه رأساً على عقب وذهب ليتعرف إلى جو مختلف وجديد.. في عام 1951 أصبح بغدادي وحورانية صديقين للحزب الشيوعي، وأسسا رابطة الكتاب السوريين التي استمرت خمس سنوات تقريباً، ثم ألقي القبض عليهما معاً وأودعا السجن لمدة تسعة أشهر ثم هربا معاً إلى لبنان حيث مكثا عند عائلة شيوعية.. يقول بغدادي: «اختلف حورانية مع أهله بسبب الأفكار التي يحملها وطلع عنهم.. وفي لبنان صار يؤلف كتباً من أجل العيش.. حاول تأليف رواية وكتب منها جزءاً طويلاً لكنه عندما سألني رأيي فيها نصحته بالعزوف عن كتابة الرواية والبقاء في القصة..».
يضيء بغدادي على مفاصل هامة كونت تجربة حورانية الإبداعية، فبعد أن انفصل الصديقان في بيروت وسار حورانية باتجاه السياسة وقبض عليه في لبنان بسبب هذه النشاطات، وبعد قضاء فترة في السجن مرة ثانية، سافر حورانية إلى موسكو وبقي هناك خمس سنين، حيث كان الراحل خالد بكداش يسكن هناك في قصر، وأخذ سعيد إلى موسكو وأعطوه هناك شقة واسعة ووظيفة اسمية مهمته فيها مراقبة النشر باللغة العربية».
يُرجع بغدادي أسباب توقف حورانية عن الكتابة مدة ثلاثين عاماً كاملة، إلى تلك السنوات الخمس التي قضاها في موسكو، فهو ابتعد عن التنافس والتحريض على الكتابة الذي كان موجوداً في سورية، بعد عودته إلى دمشق أعطوه وظيفة مدير المركز الثقافي الروسي وتزوج بعد تجارب عاطفية ومرض بالسرطان ولم يقلع عن التدخين فرحل في السادس من حزيران 1994 وعمره 65 سنة!. يقول بغدادي: «المسؤول عن سكوت سعيد حورانية وتوقفه عن الكتابة هو الحزب الشيوعي»!.
مداخلة الدكتور صلاح الصالح قرأها الكاتب نذير جعفر نظراً لتعذر حضوره، وعاد فيها إلى ما ذكر محمد كامل الخطيب في مقدمته لقصص سعيد عندما كتب عن تلمس حورانية لمواجع الناس وفضح الممارسات الطبقية التي تمارس ضدهم، وتمجيد الحزب البروليتاري الذي يدعي حصرية تمثيل البروليتاريا ومصالح الفقراء!.
في مداخلة مشرف لقاء السرديات، تحدث الدكتور عاطف البطرس عن حياة حورانية وكيف عاش ورؤيته للعالم والبنية النفسية لديه.. يقول: «رفض الأفكار السائدة وانتقل إلى فكر يمثل مرحلة حضارية ومتطورة.. عندما تتوافق البنية الفكرية والاجتماعية يحدث الانسجام وعندما تتضاد تحدث المشكلة، منهم من يتمرد ومنهم من يوفق.. سعيد كان قوياً ونزقاً وعندما لم يجد ما يوازي نزقه آثر أن يصمت..».
نقطة مهمة أشار إليها بغدادي تتعلق بقصة حورانية وعنوانها «الصندوق النحاسي» التي فازت بإحدى الجوائز تلك المرحلة، وكانت اللجنة المحكمة، ومن أعضائها شفيق جبري ونزيه الحكيم، قد شكت بمصدر القصة وأنه لربما أخذ فكرتها من نص عالمي، فقال حورانية للّجنة بحضور بغدادي إنه استوحى الموضوع من الواقع، ثم نظر بشوقي وغمزه كي يصمت لأن شوقي كان يعرف أن الفكرة مستوحاة من الكاتب فرانسوا مورياك.. يقول بغدادي: «كان فرانسوا مورياك يقف خلف كواليس قصة الصندوق النحاسي لحورانية»!. يرفض بغدادي تسمية ما فعله حورانية بالسرقة الأدبية، ويستشهد بما أخذه نزار قباني من جاك بريفير، وهذا الموقف يذكره بغدادي للمرة الأولى عن حورانية وقصته «الصندوق النحاسي».

print