خيّب أملَنا معتز ملاطيه لي، أستاذُ قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية، إذ لم يفِ بما وعدنا به  بأن ما سنشاهده في عرضه «ضجيج وحنين»، المستمر على خشبة مسرح القباني حتى يوم الخميس القادم، هو «المسرح الراقص» بكل معنى الكلمة خلافاً لما قدّم سابقاً من عروض لم تمتلك فهماً ناضجاً لمعنى ذاك المصطلح، وبأننا سنرى هنا بالذات معنى الاشتغال على الفكرة/الجسد، أو النصّ/الرقص!.
فالفكرة التي عمل عليها ملاطيه لي هي حكاية امرأة تعاني غياب حبيبها أو زوجها، وفيما هي تنتظر مجيئه ليقضيا معاً سهرة حميمية، يقتحم اللصوص منزلها ويغتصبونها، فتحاول بعد موجة حنين قاسية تستعيد بها طفولتها «البريئة» وصندوق ألعابها وأرجوحتها التي تحاول الانتحار بحبالها، لكنها تفشل في ذلك، ولأنه لم يعد في إمكانها بعد تلك الحادثة العيش بشكل طبيعي في هذه الحياة القاسية، تقرّر أن تحوّل نفسها إلى هيئة/شخصية «ذكر» له مطلق الحرية في أن يكون كما هو عليه من دون أن يطوله الأذى من أحد!..
والسؤال هو: أين تكمن فرادة وجِدّة العرض الذي شاهدناه في عالم العروض الراقصة والكريوغرافيا المعاصرة؟!، إذ لم تُروَ لنا تلك القصة المؤلمة بطاقة حركية مؤثّرة تستفزّ حواسنا وأجسادنا المتخشبة بحكم الروتين والعادة، أو بتكويناتٍ جسدية تُخلخل بعض ما علق على أيامنا وأحلامنا من شوائب، ولولا الأغراض وأزياء «مارال ديراركيليان» التي «تعكَّزَ» عليها ملاطيه لي كحلّ إخراجيّ لكان العرضُ تاهَ من يديّ المشتغلين عليه ومنّا على  حدّ سواء، خاصةً مع تكرار «الأخطاء» نفسها التي ترتكبها معظم عروضنا الراقصة في عدم «تصميم» موسيقا خاصة كقطعةً حيويةً أو تكوين عضوي من جسم العرض (اختيارات الموسيقا العالمية/ أثيل حمدان) إن لم نقل كدعامته الرئيسة التي تبنى عليها طبقاته المتصاعدة نحو ذروةٍ تحبس الأنفاس. بل لكانت الموسيقا تمازجت وتواشجت مع تقنية خيال الظلّ التي وظّفها ملاطيه لي ببراعة مدهشة عند محاولة المرأة الانتحار، وفي مشهد الاستحمام بعد الاعتداء عليها.
لا أبالغ إن قلت إن أداء «راما الأحمر» الحركي كان من الممكن أن تؤديه بزخم وعاطفة أقوى مما بدت عليه كمن لا تزال في «البروفات» تتمرن برفاهية، وليست وسط معتركِ رقصٍ يجب أن يقدّم على أنّه كلّ الحياة مجسدَّة أمامنا، وأنه مهما أطلقنا على العرض من مسميات أكاديمية أو اصطلاحية هو قبل كل شيء: جسدٌ يتنفّس ويفيض ويُخلَقُ من جديد!. لكن يحسب لـ«الأحمر» جهدها المخلص في الرقص مدة خمس وأربعين دقيقة صامتة، فقد حاولت من خلال «تمثيلها الصامت» التوفيق بين خيال مصمّم وراسم الرقصات محمد شباط الذي جعل الكرسي الدوّار والطاولة وحبال الأرجوحة وحتى كأس النبيذ في يدها تبدو وكأنها امتداداتٌ أو استطالاتٌ فيزيائية لجسدها المتوثّب الذي زادته إضاءة أدهم سفر المتنوّعة حرارةً أو تشهّياً أو انكساراً وبرودةً، وبين الدلالات الحركية والانفعالات النفسية التي ضمَّنها ملاطيه لي في جسد النصّ أو في مفاصل فكرة العرض الأساسية التي أحالتنا إلى العلاقة بين الأنوثة الحاضرة بحنينها وضجرها وتوقها ورغباتها ويأسها، وتجليّاتٍ متعددة لذكورة غائبة بمعناها الحميميّ والدافىء «فعل الحب» منذ اللحظات الأولى التي ترقص فيها تلك المرأة كنوع من تعويضٍ رمزيّ مع مشجب علقت عليه ثياب حبيبها، ثم غيابها بالمعنى الدفاعي وحضورها في شكلها الأكثر فجاجة وقسوة «فعل الاغتصاب» من قبل «رجال» ملثّمين أو مجهوليّ الهوية، وأخيراً في الانزياح النفسي/الاجتماعي لروح الأنثى نحو التشبّه بالشخصية الذكورية الطاغية المسيطرة القادرة على العيش والتحرّك بحرية أكبر!.
ومع تلك الدلالات التي قُدّمت لنا بشكلها الأكثر تقليدية، أي بتحميل الذكور/الوحوش كل أسباب القهر عند النساء/الحمائم، من دون التطرق إلى أن النساء والرجال باتوا معاً شبه عديمي الحيلة إن لم نقل بائسين ومقهورين ومغلوبين على أمرهم في عالم الحروب التي لا ترحم أحداً، يصبح العرض وكأنه كان مخصصاً لـ «يوم المرأة العالمي» أكثر مما هو عرض يتجاوز شرطه الحكائي أو غايته القصديّة نحو معاناة الإنسان ضمن شرطه الوجوديّ العبثيّ أو المأزوم كما أوحت كلمة المخرج في بروشور العرض الذي تخلَّت فيه التاء عن أنوثتها، مُتحركةً بضميرِ مُذكَّرٍ غائب.

print