الاستيطان الاستعماري الصهيوني تتوافر فيه جميع عناصر جريمة الحرب، الأمر الذي يستتبع المسؤولية الجنائية لمرتكبيه، وتالياً تقديمها للمحاكمة وفق الاختصاص القضائي الدولي، ومعاقبتهم بصفتهم مجرمي حرب.
وفي هذا المجال –كمستند لما سبق- تضمنت اتفاقية جنيف الرابعة الصادرة بتاريخ 12/8/1949 وهي الناظم الأساس في التعامل الدولي نصين يطولان الاستيطان:
أولاً- عددت المادة 147 من الاتفاقية الجرائم الخطرة التي تقترف ضد أشخاص، أو ممتلكات تحميها هذه الاتفاقية، والاستيطان نوع من التعدي على الممتلكات العامة والخاصة على نطاق واسع، من دون ضرورة حربية.
ثانياً- الفقرة الأخيرة من المادة 49 من الاتفاقية حرّمت الاستيطان صراحة حيث قالت:
«لا يجوز لسلطة الاحتلال أن تنقل، أو تهجّر قسماً من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة من قبلها».
وقد وجد هذا النص الأخير لحماية سكان الأراضي المحتلة، وليس لحماية المستوطنين على اعتبار أن هؤلاء غير مشمولين بأحكام الاتفاقية.
وكان موقف مجلس الأمن من هذه الممارسات الاستيطانية واضحاً وصريحاً، حيث صدر عنه بعض القرارات والتوصيات منها:
1-القرار رقم 446 تاريخ 22/3/1979 الذي نص على اعتبار الممارسات الإسرائيلية بإقامة المستوطنات على الأراضي الفلسطينية وغيرها من الأراضي العربية المحتلة عقبة خطرة في وجه السلام في الشرق الأوسط  وليس لها أي مستند قانوني.
وأعلن القرار تأليف لجنة من ثلاثة أعضاء في مجلس الأمن يعينهم رئيس المجلس بالتشاور مع الأعضاء، من أجل دراسة الوضع المتعلق بالمستوطنات في الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967.
وجاء في تقرير هذه اللجنة المستندة إلى القرار رقم 446 لعام 1979 التوصية الآتية: «بعد أن درست اللجنة بعناية جميع عناصر المعلومات التي تمكّنت من جمعها تنفيذاً لولايتها، تود أن تؤكد من جديد جميع النتائج التي وردت في تقريريها الماضيين وعلى وجه أكثر تحديداً النتائج الآتية:
1-تواصل الحكومة الإسرائيلية نشاط تنفيذ عمليتها الممنهجة المعاندة ذات النطاق الواسع لإنشاء مستوطنات في الأراضي المحتلة.
2-هناك علاقة متبادلة بين إنشاء المستوطنات الإسرائيلية وتشريد السكان العرب.
3- إن «إسرائيل» في تنفيذ سياسة الاستيطان التي تنتهجها، تلجأ إلى طرائق قسرية في كثير من الأحيان، والاستيلاء على الأملاك الخاصة، وتدمير المنازل وإبعاد الأشخاص، متجاهلة حقوق الإنسان الأساسية.
4- لقد جلبت سياسة الاستيطان تغييرات ذات أثر ضار على نمط الحياة اليومية الاقتصادي والاجتماعي للمتبقين من السكان العرب، وتسبب في تغييرات جوهرية ذات طبيعة جغرافية وديمغرافية في الأراضي المحتلة.
5- تشكل هذه التغيرات انتهاكاً لاتفاقية جنيف المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، وللمقررات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن بشأن هذه المسألة.
وتبعاً لهذا، فاللجنة تؤكد أن سياسة «إسرائيل» الاستيطانية التي تم بموجبها-على سبيل المثال- الاستيلاء على 40% من أراضي الضفة الغربية تفتقر إلى السند القانوني وتشكل عائقاً خطراً في وجه تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في المنطقة.
وفي تاريخ 20/7/1979 صدر عن مجلس الأمن القرار رقم 452 بشأن الطلب إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلية وقف الأنشطة الاستيطانية في الأراضي العربية المحتلة.
كما صدر أيضاً القرار رقم 465 بتاريخ 1/3/1980 عن مجلس الأمن الذي طلب من الكيان الصهيوني تفكيك المستوطنات القائمة، والتوقف عن التخطيط للمستوطنات وبنائها في الأراضي العربية المحتلة، وتم التأكيد على ذلك أيضاً بالقرار رقم 497 لعام 1981.
موقف الكيان الصهيوني من هذه القرارات
في الحقيقة العدو الصهيوني لم يعد بحاجة لإيجاد المسوغات للتمويه على سياسته وممارساته الاستيطانية نتيجة تهاون الشرعية الدولية في وضع قراراتها ذات الصلة موضع التنفيذ.
فقد تضمنت الخطوط الأساسية لسياسة هذا العدو مايلي: صرّح العدو بأنه لن ينسحب من الجولان السوري المحتل ولن يزيل أي مستعمرة أقيمت هناك، وأنه هو الذي سيقرر بشأن التوقيت الملائم لإحلال «قانون الدولة وقضائها وإدارتها» في الجولان.
ومازال هذا العدو الصهيوني ماضياً في تحدي الشرعية الدولية حتى الآن، ذلك أنه قرر إقامة مستوطنات جديدة في الجولان السوري المحتل، وقد صادق كيان هذا العدو على إقامة هذه المستوطنات التي أطلق عليها اسم «يروفين».
وما يدعو للانتباه أن أصدقاء العدو الإسرائيلي وبعض المستوطنين أنفسهم ضاقوا ذرعاً بسياسة الاستيطان هذه.
وحيث إن هذا الاستيطان الاستعماري الصهيوني يقع تحت بند «جرائم الحرب» في القانون الدولي، فإنه ينطبق عليه- والحالة ما ذكر- قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2238 تاريخ 18/12/1967 المتضمن معاقبة مجرمي الحرب والأفراد المتهمين بارتكابها، كما يشمله أيضاً القرار رقم 2391 تاريخ 26/11/1968 المتضمن عدم خضوع جرائم الحرب هذه وكذلك الجرائم ضد الإنسانية للتقادم الزمني، أي تبقى هذه الجرائم بحسب القانون الدولي قائمة مهما طال الزمن.

print