يعود السؤال عن مقدار وقيمة التعويض العائلي ليثير الجدل والخلاف بين الباحثين والمعنيين فهل التعويض العائلي الذي لا يتعدى بمجموعه الـ450 ليرة فقط قادر على أن يمثل أي نوع من أنواع الدعم لتحسين الحالة المعيشية للموظف؟! وإلى أي مدى يستطيع هذا المقدار الضئيل تغطية حاجات الأسرة ومصاريفها المتزايدة ومواجهة الواقع الفعلي للأسعار الملتهبة؟.. وما بين مواطن يعاني الأمرّين من أجل أن يبقى صامداً وأطفاله في ظروف الحرب القاسية وحكومة تعاني ضعف موارد وإمكانات، يبقى موضوع تعديل التعويض العائلي معلقاً، بالرغم من إجماع الباحثين والمحللين الاقتصاديين على ضرورة لحظ هذا التعويض وتعويضات أخرى في الموازنات القادمة وربط التعويضات بالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية بشكل دائم وتقييمها مقارنة بالحاجات المتغيرة والمتزايدة للشرائح المستفيدة منها بعيداً عن اعتبارها إنفاقاً حكومياً لا مردود له والاكتفاء باعتباره عبئاً على عاتق موازنات الدولة.

تعويض بالاسم فقط!
أبو محمد موظف في وزارة الكهرباء وهو رب أسرة مؤلفة من أربعة أشخاص يتقاضى تعويضاً عائلياً يقدر بـ(450 ليرة) عن أطفاله يقول: عملنا في أصعب ظروف الأزمة وتعرضنا نحن العاملين في مجال الإصلاح لظروف قاسية جداً ومجحفة إلا أن التعويض العائلي الذي أتقاضاه غير كاف لشراء ثلاث ربطات خبز لا غير؟! فكيف ببقية المتطلبات التي تحتاجها الأسرة من غذاء ومدارس ولباس وما إلى ذلك وحاجيات يعجز الموظف عن تلبيتها؟!
أما أبو ثائر فهو سائق ورب أسرة أيضاً مؤلفة من 7 أشخاص ويتقاضى 450 ليرة فقط كتعويض عائلي فقط عن أطفاله، حيث بيّن أنه يقسّم مبلغ التعويض وفق ما يلي 200 ليرة للطفل الأول و150 ليرة للطفل الثاني و100 ليرة للطفل الثالث.. أما بقية الأطفال فلا يتقاضى عنهم أي تعويض ويقول ضاحكاً (بلا هالتعويض أحسن) وإذا يمكن إلغاؤه حفظاً لكرامة المواطن فهو عديم الفائدة.
مطلب محق
إن التعويض العائلي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من شبكة الأمان الاجتماعي التي تقدمها الحكومة من خلال سياستها المباشرة وغير المباشرة كنظم التأمين الصحي والصناديق الاجتماعية والتمويل الصغير وبرامج التشغيل العامة وما إلى ذلك من تعويضات أخرى يهدف إلى توفير نوع من التغطية المناسبة للمواطن إلا أن هذا التعويض يجب ألا يكون ساكناً ويجب ربطه بالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، هنا كان لابد لنا من سؤال معاون وزير الشؤون الاجتماعية والعمل السيد راكان إبراهيم الذي أفادنا بالقول:
إن التعويض العائلي كان منظماً بقانون عام 1956م حيث بدأ بخمس ليرات وأصبح اليوم بقيمة 200 ليرة للولد الأول و150 ليرة للولد الثاني و100 للولد الثالث ولا تعويض لبقية الأولاد الأكثر من ثلاثة حيث رفع عتبات التعويض لينتهي بـ100 ليرة آنذاك وحين صدر تعديل القانون في عام 2002 كانت التعديلات تعد نقلة نوعية في حينها ويساهم في تحسين الحالة الاجتماعية والإنسانية للعائلة حيث عدل المبلغ من 25 ليرة إلى 200 ليرة فمبلغ التعويض آنذاك كانت له قيمة مادية وفي الإمكان أن يقدم نوعاً من الدعم للعائلة ويضيف: إن التعويض العائلي يرتبط بسياسات الحكومة فيما يتعلق بالإنجاب حيث جاء التعويض شاملاً للأطفال الثلاثة الأوائل فقط من دون ذكر بقية الأطفال إن وجدوا، فالسياسة السكانية على مستوى الدولة كانت تهدف إلى تحديد النسل ولعل ربطها بمبالغ التعويض العائلي يهدف إلى الغاية نفسها ذلك أن معدل النمو في سورية عال ويجب أن يخضع لسياسة متوازنة تتعلق بالمخرجات النهائية للتنمية المستدامة، وكوزارة شؤون اجتماعية وعمل نحن ندرس مقدار التعويض العائلي، حيث يجب أن يعاد النظر فيه لأنه لا يساوي شيئاً حالياً، فأكيد قيمة هذا المبلغ عام 2002 ليست كقيمته بعد مرور 15سنة وصولاً إلى 2017م فهو اليوم لا يمثل أي نوع من أنواع الدعم في ظل الأعباء الكبيرة التي يتحملها المواطن والأحوال الاقتصادية الحالية وتضخم الأسعار أضعافاً مضاعفة .فالتعويض العائلي غير عادل وعاجز عن تحسين الواقع الإنساني والاجتماعي للمواطن السوري.
أفكار ورؤى لزيادة التعويض
ويشير الإبراهيم إلى أن التعويض العائلي تتم دراسته من قبل لجنة مؤلفة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة المالية لوضع أفكار ورؤى للعمل على زيادته  وأن تحسين الواقع المعيشي للمواطنين والموظفين عبارة عن حزمة تشريعات كاملة تعمل على تحسين هذا الواقع تبدأ من زيادة الأجور وتثبيت أسعار السلع، مروراً بزيادة التعويضات كافة/ كالتعويض العائلي وتعويض التدفئة وما إلى ذلك من تعويضات أخرى، والمطلوب إصدار قانون مستقل للتعويضات وليس بنداً للتعويض العائلي مثلاً وقانوناً آخر لتعويض التدفئة حيث يوازي في أهميته القانون الذي صدر مؤخراً فيما يخص التعويض المعيشي أي نحتاج لتشريعات تكمل بعضها بعضاً.
يرتبط بمستوى الإعالة
قد يكون التعويض العائلي نوعاً من أنواع الدعم الاجتماعي الذي تقدمه الحكومات في حالات ضعف النمو الاقتصادي ومحاولة لدعم ظروف المعيشة للموظف فهل مقدار هذا الدعم كاف؟ وما هي ارتباطاته؟ وهل تمكن زيادته في الأيام القادمة؟ هذا هو السؤال الذي توجهنا به إلى د. هاني الخوري الباحث الاقتصادي، حيث أوضح أن التعويض العائلي يرتبط مع فلسفة الأجر ودعم العائلات ومستوى الإعالة وشكل العمل الاقتصادي في سورية، وباعتبار أننا نمر بأزمة اقتصادية ومعيشية لها تحديات على المجتمع ما أدى إلى انخفاض الدخول بمستوى لا يقل عن الرواتب الرسمية بنسبة 500% من الأجر الذي كان سائداً قبل الأزمة، فالتعويض العائلي الحالي محدود وعديم الفائدة ولا يفي بأن نقول إنه تعويض أصلاً ولا يمكننا أن نقول إن رفع التعويض العائلي بنسب تفوق الراتب وتالياً يجب ربط التعويض العائلي بنسبة من الراتب كأن نقول بأن يكون التعويض العائلي للأسرة إن كانت كبيرة أو صغيرة بنسبة20% من الدخل (الراتب الأساسي) وفي حال رغبتنا بسياسة تدعم فكرة الأسرة المثالية غير الكبيرة العدد مع احترام الإعالة فيمكننا أن نقول إن هذا التعويض يمكن أن تطبق عليه سياسة بنسبتين، الأسرة الصغيرة ويمكنها أخذ 10% من الراتب والأسرة التي عدد أفرادها أكثر من 2 من الأطفال تأخذ 20%من التعويض العائلي وضمن سياسة عامة يجب وضع تعويض موحد لكل أسرة لديها أولاد بالقدر نفسه كأن يحدد بـ 20% من الراتب وتالياً لا يمكن أن ننظر للتعويض ولأي نوع من التعويضات (مكافأة إصابة تعويض عائلي) لن يكون ذا قيمة مادام الراتب ضئيلاً حيث وصلت قيمة الرواتب إلى مستوى حرج جداً في دعم قيم العمل وهي تسبب بشكل مباشر بانتشار قيم الفساد والتسييب ومحاولة إيجاد إيرادات مختلفة عن الراتب الأساس في الدولة والذي يؤدي إلى عدم إحساسه بقيمة الوظيفة وقيمة العمل الذي ينجزه وتالياً ضعف الخبرات وعدم الالتزام بطبيعة الوظيفة التي يقوم بها ما يؤدي لضعف كبير في ثقافة العمل وطبيعته وإجراءاته المستقبلية.
لا يسد رمق سلحفاة
أما د.عابد فضلية باحث اقتصادي وعميد كلية الشام الخاصة فيقول إن الحكومة وأي مواطن يعرف أن هذا التعويض قليل جداً ولا يسد رمق سلحفاة منزلية إلا أن هذه المسألة مرتبطة عموماً بالمستوى العام للرواتب والأجور التي بدورها مرتبطة بضعف أو توقف الإنتاج المرتبط بظروف الأزمة وجميع هذه التعويضات العائلية برأينا يجب أن تصبح عشرة أضعاف على الأقل. علماً أن هناك الكثير من التعويضات والمكافآت والبدلات الوظيفية التي ينطبق عليها هذا المبدأ فالحكومة تعرف بذلك وتقر بعدالة رفع التعويض العائلي وتعويضات أخرى مشابهة، ونحن نعتبر أن لهذه الحرب ثمناً وتكلفة ونعرف أن من بين الشركاء الذين يساهمون بدفعها هم الضعفاء أصحاب الرواتب والأجور ونحن منهم، ومن التفاصيل التي يجب توضيحها للأفكار أعلاه هي أن المبدأ العام لزيادة الرواتب والأجور والتعويضات هو الزيادة في إنتاجية العمل.
 تفوق الرواتب بأضعاف
أكد د. سعيد الحلبي المستشار والباحث في التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال إجراءه مقارنة بين عامي 2010-2016 للطبقة الوسطى التي كانت متوازنة وقادرة على تلبية حاجاتها في عام 2010 وكانت تبلغ حوالي 60%من المجتمع وكان متوسط حاجة إنفاقها 13 ألف ليرة سورية للأسرة الواحدة، أما اليوم فهي تشكل فقط 9% من المجتمع وأصبحت حاجة إنفاقها 146 ألف ليرة ومتوسط الدخل فقط 28 ألف ليرة سورية وتتوزع حاجة الإنفاق بين 35% للغذاء و25% للسكن و10% للصحة و10% للتعليم و5% للنقل والانتقال وللمصاريف5%.
بعيداً عن الموازنة
رئيس لجنة القوانين المالية عمار بكداش يوضح أن موضوع التعويض العائلي طرح للنقاش تحت قبة المجلس وتم الإجماع من قبل الأعضاء الذين يمثلون الكادحين في المجلس على أن التعويض العائلي الحالي لا يساوي شيئاً كقيمة مادية، ذلك أن قرار التعويض العائلي اتخذ عندما كانت القيمة الشرائية لليرة تفوق قيمتها الشرائية اليوم بأضعاف مضاعفة وطالبوا برفعه إلى 10 أضعاف بالحد الأدنى ليتناسب مع نسبة التضخم السعري التي اجتاحت سورية خلال الحرب في الست سنوات الفائتة.
وأكد بكداش أن: التعويض العائلي غير متعلق بحجم الراتب وأنه يمثل قيمة مطلقة في حد ذاته لذلك تجب إعادة النظر بتعديله ورفعه في الأيام المقبلة، مشيراً إلى أن الموازنة تُقدم من الحكومة وتُناقش في المجلس ويمكن أن يقدم المجلس اقتراحاً بالتعديلات على الموازنة، لكن مثل هذا القانون يجب أن يتخذ كقانون منفصل عن الموازنة ويجب أن تتخذ الحكومة القرار بلحظ هذا القانون، نظراً لوضع التضخم الحالي فالتعويض الحالي بالحجم الذي هو عليه اليوم لا يساوي شيئاً على الإطلاق.
 ضريبة دخل
يؤكد الإبراهيم معاون وزير الشؤون الإجتماعية  أن الحد المعفى من الضريبة من راتب الموظف بحاجة إلى إعادة نظر ذلك أن الضرائب مثلاً وفي فترة ما في عام 2000 مثلاً كانت تعفي الـ100 ليرة الأولى من الراتب ثم تم رفع الإعفاء عن الخمسة آلاف ليرة ثم العشرة آلاف إلى أن وصل الإعفاء للـ/15/ ألف ليرة والتي تعادل سابقاً 300 دولار هي اليوم غير كافية لكون قيمتها الشرائية لا تمثل شيئاً حالياً، فالراتب بأكمله اليوم لا يعادل الـ100 دولار.
ويؤكد أن الجميع متفقون على أن التعويض الوظيفي وكل التعويضات الأخرى بحاجة إلى إعادة نظر لتحسين الواقع المعيشي للمواطن.
لا يدخل بالأجر
ويشير الإبراهيم إلى أن التعويض المعيشي لا يدخل بالأجر ولا يخضع لأي نوع من أنواع الحسم فالتعويضات أياً كانت مسمياتها وحسب المادة الأولى لتعريف الأجر لا تدخل بتعريف الأجر وتالياً لا تدخل في المعاش ولا بالترفيعات.
دراسات أكاديمية.
يرى د.موسى الغرير أستاذ في كلية الاقتصاد جامعة دمشق أن توزيع الرواتب والأجور غير عادل بحسب الشهادات العلمية وأن النسبة قليلة جداً لا تشجع على التعليم والمعرفة ولا تحفز على متابعة التحصيل العلمي خاصة أن موضوع العلم والمعرفة اليوم أصبح من ضرورات زيادة الإنتاج وتحريك عجلته وفقاً للمرحلة الراهنة ما يستدعي زيادة الراتب بما يحفز على التعلم..
ويضيف: أما عن التعويض العائلي فلم يعد كافياً في ظل الظروف الحالية وارتفاع مستويات المعيشة وانخفاض القوة الشرائية لليرة السورية فهو لا يساوي شيئاً إطلاقاً..
بحاجة لإعادة نظر
أما أ. د عدنان غانم عميد كلية الاقتصاد: فهو ليس مع التوجه إلى الحد من التعويض العائلي خاصة أن التوجه في مسالة السياسات السكانية قد اختلف في ظروف الأزمة فالبلد الذي قدم هذا الكم من الشباب والشهداء أصبح يستدعي تغيير السياسة السكانية وأهدافها ويؤكد أنه مع زيادة الأجور عموماً والتعويض العائلي على وجه الخصوص وتالياً فإن زيادة الرواتب والأجور تتم عن طريق العمل على تفعيل دوران عجلة الإنتاج وتفعيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة على أرض الواقع وليس على الورق فحسب وهي المبادرات التي تشجع عليها الدولة وتعمل عليها ونطالب بالتنسيق بين وزارة المالية والاقتصاد والفريق الاقتصادي بأكمله وندعو للتناقش بالموضوع بشكل جمعي لنجد المخرج الأفضل.
بحاجة لزيادة   
أما فيصل عزوز عضو مجلس شعب سابق وعضو منصة دمشق للحوار السياسي فيقول إن التعويض العائلي غير مناسب وغير متكافئ مع الظرف المعيشي ويبقى إلغاؤه أفضل من استمراره ويشير إلى إيقافه عند الولد الثالث وكأن الطفل الرابع لا يحتاج شيئاً وهو أمر غير مدروس ونحن في مجتمع شرقي يبلغ متوسط عدد أفراد الأسرة فيه «5» أفراد على الأقل، لذا يجب على الدولة أن تكون مسؤولة عن الأسرة وتعويض الزوجة غير العاملة بـ500 ليرة غير كاف وغير لائق بحق المرأة لأنها أم عاملة في تربية أولادها وهذا العمل الشاق يجب أن يكون برعاية الدولة وفي الإطار العام فإن التعويض غير لائق وغير منصف من حيث حصره بالأولاد الثلاثة الأوائل، ويؤكد أنه على الحكومة أن تعطي أهمية لهذا التعويض في ظل الظروف الصعبة ومن واجبها البحث عن منافذ لزيادة هذا التعويض زيادة مجزية ويجب أن يساير الغلاء المعيشي الموجود في البلد في ظروف الحرب.

print